القرطبي

244

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في الرأي ( فلا يؤمنون إلا قليلا ) أي إلا إيمانا قليلا لا يستحقون به اسم الايمان . وقيل : معناه لا يؤمنون إلا قليلا منهم ، وهذا بعيد لأنه عز وجل قد أخبر عنهم أنه لعنهم بكفرهم . قوله تعالى : ( يا أيها الذين أتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ) قال ابن إسحاق : كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤساء من أحبار يهود منهم عبد الله بن صوريا الأعور وكعب بن أسد فقال لهم : ( يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فوالله إنكم لتعلمون أن الذي جئتكم به الحق ) قالوا : ما نعرف ذلك يا محمد . وجحدوا ما عرفوا وأصروا على الكفر ، فأنزل الله عز وجل فيهم ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها ) إلى آخر الآية . ( مصدقا لما معكم ) نصب على الحال . ( من قبل أن نطمس وجوها ) الطمس استئصال أثر الشئ ، ومنه قوله تعالى : ( فإذا النجوم طمست ( 1 ) ) . ونطمس ونطمس بكسر الميم وضمها في المستقبل لغتان . ويقال في الكلام : طسم يطسم ويطسم بمعنى طمس ، يقال : طمس الأثر وطسم أي امحى ، كله لغات ، ومنه قوله تعالى : ( ربنا اطمس على أموالهم ( 2 ) ) أي أهلكها ، عن ابن عرفة . ويقال : طمسته فطمس لازم ومتعد . وطمس الله بصره ، وهو مطموس البصر إذا ذهب أثر العين ، ومنه قوله تعالى : ( ولو نشاء لطمسنا على أعينهم ( 3 ) ) يقول أعميناهم . واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية ، هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين . أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق ؟ قولان . روي عن أبي بن كعب أنه قال : ( من قبل أن نطمس ) من قبل أن نضلكم إضلالا لا تهتدون بعده . يذهب إلى أنه تمثيل وأنهم إن لم يؤمنوا فعل هذا بهم عقوبة . وقال قتادة : معناه من قبل أن نجعل الوجوه أقفاء . أي يذهب بالأنف والشفاه والأعين والحواجب ، هذا معناه عند أهل اللغة . وروي عن ابن عباس وعطية العوفي : أن الطمس أن تزال العينان خاصة وترد في القفا ، فيكون ذلك ردا على الدبر ويمشي القهقرى . وقال مالك

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 152 ( 2 ) راجع ج 8 ص 373 ( 3 ) راجع ج 15 ص 48