القرطبي

203

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الأديان ، وحملوا السكر في هذه الآية على النوم . وقال القفال : يحتمل أنه كان أبيح لهم من الشراب ما يحرك الطبع إلى السخاء والشجاعة والحمية . قلت : وهذا المعنى موجود في أشعارهم ، وقد قال حسان : * ونشر بها فتتركنا ملوكا * وقد أشبعنا هذا المعنى في ( البقرة ( 1 ) ) . قال القفال : فأما ما يزيل العقل حتى يصير صاحبه في حد الجنون والاغماء فما أبيح قصده ، بل لو اتفق من غير قصد فيكون مرفوعا عن صاحبه . قلت : هذا صحيح ، وسيأتي بيانه في ( المائدة ) إن شاء الله تعالى في قصة حمزة ( 2 ) . وكان المسلمون لما نزلت هذه الآية يجتنبون الشرب أوقات الصلوات ، فإذا صلوا العشاء شربوها ، فلم يزالوا على ذلك حتى نزل تحريمها في ( المائدة ) في قوله تعالى : ( فهل أنتم منتهون ( 2 ) ) . السابعة - قوله تعالى : ( حتى تعلموا ما تقولون ) أي حتى تعلموه متيقنين فيه من غير غلط . والسكران لا يعلم ما يقول ، ولذلك قال عثمان بن عفان رضي الله عنه : إن السكران لا يلزمه طلاقه . وروي عن ابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة ، وهو قول الليث ابن سعد وإسحاق وأبي ثور والمزني ، واختاره الطحاوي وقال : أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز ، والسكران معتوه كالموسوس معتوه بالوسواس . ولا يختلفون أن من شرب البنج فذهب عقله أن طلاقه غير جائز ، فكذلك من سكر من الشراب . وأجازت طائفة طلاقه ، وروي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من التابعين ، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي ، واختلف فيه قول الشافعي . والزمه مالك الطلاق والقود في الجراح والقتل ، ولم يلزمه النكاح والبيع . وقال أبو حنيفة : أفعال السكران وعقوده كلها ثابتة كأفعال الصاحي ، إلا الردة فإنه إذا ارتد [ فإنه ( 3 ) ] لا تبين منه امرأته إلا استحسانا . وقال أبو يوسف : يكون مرتدا في حال سكره ، وهو قول الشافعي إلا أنه لا يقتله في حال سكره ولا يستتيبه .

--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 55 فما بعدها . ( 2 ) راجع ج 6 ص 287 ( 3 ) من ج وط وى .