القرطبي
290
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( فآمنوا بالله ورسله ) يقال : إن الكفار لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم من ( 1 ) يؤمن منهم ، فأنزل الله " فآمنوا بالله ورسله " يعني لا تشتغلوا بما لا يعنيكم ، واشتغلوا بما يعنيكم وهو الايمان . ( فآمنوا ) أي صدقوا ، أي عليكم التصديق لا التشوف إلى اطلاع الغيب . ( وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) أي الجنة . ويذكر أن رجلا كان عند الحجاج بن يوسف الثقفي منجما ، فأخذ الحجاج حصيات بيده قد عرف عددها فقال للمنجم : كم في يدي ؟ فحسب فأصاب المنجم . فأغفله الحجاج وأخذ حصيات لم يعدهن فقال للمنجم : كم في يدي ؟ فحسب فأخطأ ، ثم حسب أيضا فأخطأ ، فقال : أيها الأمير ، أظنك لا تعرف عدد ما في يدك ؟ قال لا : قال : فما الفرق بينهما ؟ فقال : إن ذاك أحصيته فخرج عن حد الغيب ، فحسبت فأصبت ، وإن هذا لم تعرف عددها فصار غيبا ، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى . وسيأتي هذا الباب في " الانعام " ( 2 ) إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير ( 180 ) فيه أربع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( ولا يحسبن الذين ) " الذين " ( 3 ) في موضع رفع ، والمفعول الأول محذوف . قال الخليل وسيبويه والفراء : المعنى البخل خيرا لهم ، أي لا يحسبن الباخلون البخل خيرا لهم . وإنما حذف لدلالة يبخلون على البخل ، وهو كقوله : من صدق كان خيرا له . أي كان الصدق خيرا له . ومن هذا قول الشاعر : إذا نهي السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه إلى خلاف فالمعنى : جرى : إلى السفه ، فالسفيه دل على السفه . وأما قراءة حمزة بالتاء فبعيدة جدا ، قاله النحاس . وجوازها أن يكون التقدير : لا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيرا لهم . قال
--> ( 1 ) في ط وج وه : أيهم . ( 2 ) راجع ج 7 ص 1 فما بعد . ( 3 ) في ط وج .