القرطبي

277

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" الذين " في موضع رفع على الابتداء ، وخبره " من بعد ما أصابهم القرح " . ويجوز أن يكون في موضع خفض ، بدل ( 1 ) من المؤمنين ، أو من " الذين لم يلحقوا " . ( استجابوا ) بمعنى أجابوا والسين والتاء زائدتان . ومنه قوله : * فلم يستجبه عند ذاك مجيب ( 2 ) * وفي الصحيحين عن عروة بن الزبير قال : قالت لي عائشة رضي الله عنها : كان أبوك من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . لفظ مسلم . وعنه عائشة : يا ابن أختي كان أبواك - تعني الزبير وأبا بكر - من الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح . وقالت : لما انصرف المشركون من أحد وأصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما أصابهم خاف أن يرجعوا فقال : ( من ينتدب لهؤلاء حتى يعلموا أن بنا قوة ) قال فانتدب أبو بكر والزبير في سبعين ، فخرجوا في آثار القوم ، فسمعوا بهم وانصرفوا بنعمة من الله وفضل . وأشارت عائشة رضي الله عنها إلى ما جرى في غزوة حمراء الأسد ، وهي على نحو ثمانية أميال من المدينة ، وذلك أنه لما كان في يوم الأحد ، وهو الثاني من يوم أحد ، نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس باتباع المشركين ، وقال : ( لا يخرج معنا إلا من شهدها بالأمس ) فنهض معه مائتا رجل من المؤمنين . في البخاري فقال : ( من يذهب في إثرهم ) فانتدب منهم سبعون رجلا . قال : كان فيهم أبو بكر والزبير على ما تقدم ، حتى بلغ حمراء الأسد ، مرهبا للعدو ، فربما كان فيهم المثقل بالجراح لا يستطيع المشي ولا يجد مركوبا ، فربما يحمل على الأعناق ، وكل ذلك امتثال لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبة في الجهاد . وقيل : إن الآية نزلت في رجلين من بني عبد الأشهل كانا مثخنين بالجراح ، يتوكأ أحدهما على صاحبه ، وخرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وصلوا حمراء الأسد ، لقيهم نعيم بن مسعود فأخبرهم أن أبا سفيان ابن حرب ومن معه من قريش قد جمعوا جموعهم ، وأجمعوا رأيهم على أن يأتوا ( 3 ) إلى المدينة

--> ( 1 ) كذا في الأصول . والذي في النحاس والعبارة له : بدلا . ( 2 ) هذا عجز بيت لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه أبا المغوار ، وصدره : * وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * ( 3 ) في ج وه‍ وط : يرجعوا .