القرطبي

278

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فيستأصلوا أهلها ، فقالوا ما أخبرنا الله عنهم : " حسبنا الله ونعم الوكيل " . وبينا قريش قد أجمعوا على ذلك إذ جاءهم معبد الخزاعي ، وكانت خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وعيبة ( 1 ) نصحه ، وكان قد رأى حال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما هم عليه ، ولما رأى عزم قريش على الرجوع ليستأصلوا أهل المدينة احتمله خوف ذلك ، وخالص نصحه للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على أن خوف قريشا بأن قال لهم : قد تركت محمدا وأصحابه بحمراء الأسد في جيش عظيم ، قد اجتمع له من كان تخلف عنه ، وهم قد تحرقوا عليكم ، فالنجاء النجاء ! فإني أنهاك عن ذلك ، فوالله لقد حملني ما رأيت أن قلت فيه أبياتا من الشعر . قال : وما قلت ؟ قال : قلت : كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل ( 2 ) تردي بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا ميل معازيل ( 3 ) فظلت عدوا أظن الأرض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالخيل ( 4 ) إني نذير لأهل البسل ضاحية * لكل ذي إربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش قنابله * وليس يوصف ما أنذرت بالقيل * ( 5 ) قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه ، وقذف الله في قلوبهم الرعب ، ورجعوا إلى مكة خائفين مسرعين ، ورجع النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه إلى المدينة منصورا ، كما قال الله تعالى : " فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء " [ آل عمران : 174 ] أي قتال ورعب . واستأذن

--> ( 1 ) عيبة الرجل : موضع سره . ( 2 ) الجرد : خيل قصيرة شعر الجلد . أبابيل : فرقا . ( 3 ) ردت الخيل رديا ورديانا : رجمت الأرض بحوافرها في سيرها وعدوها . والتنابلة : القصار ، واحدهم تنبال . والأميل : الذي يميل على السرج ولا يستوى عليه . وقيل : هو الكسل الذي لا يحسن الركوب والفروسية . والمعازيل : القوم ليس معهم سلاح ، واحدهم معزال . ( 4 ) في الروض الأنف : " تغطمطت البطحاء ، لفظ مستعار عن الغطمطة ، وهو صوت غليان القدر . قوله ( الخيل ) وفى ه‍ وابن هشام ط أوروبا : الجيل . والأول فيه سناد . ولعله : الخيل جمع أخيل فلا سناد . ( 5 ) الوخش : رذال الناس . والقنابل : الطائفة من الناس ومن الخيل ، وفى ج وز والسيرة ط مصر مع الروض : تنابلة . وفى ط وى وه‍ : تناتلة : تنتل الرجل إذا الرجل إذا تقذر بعد التنظف .