القرطبي

254

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( إن ينصركم الله فلا غالب لكم ) أي عليه توكلوا فإنه إن يعنكم ويمنعكم من عدوكم لن تغلبوا . . ( وإن يخذلكم ) يترككم من معونته . ( فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) أي لا ينصركم أحد من بعده ، أي من بعد خذلانه إياكم ، لأنه قال : " وإن يخذلكم " والخذلان ترك العون . والمخذول : المتروك لا يعبأ به . وخذلت الوحشية أقامت على ولدها في المرعى وتركت صواحباتها ، فهي خذول . قال طرفة : خذول تراعي ربربا بخميلة * تناول أطراف البرير وترتدي ( 1 ) وقال أيضا : نظرت إليك بعين جارية * خذلت صواحبها على طفل وقيل : هذا من المقلوب ، لأنها هي المخذولة إذا تركت . وتخاذلت رجلاه إذا ضعفتا . قال : وخذول الرجل من غير كسح ( 2 ) ورجل خذلة للذي لا يزال يخذل . والله أعلم . قوله تعالى : وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ( 161 ) فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى - لما أخل الرماة يوم أحد بمراكزهم - على ما تقدم - خوفا من أن يستولي المسلمون على الغنيمة فلا يصرف إليهم شئ ، بين الله سبحانه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجور في القسمة ، فما كان من حقكم أن تتهموه . وقال الضحاك : بل السبب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث طلائع في بعض غزواته ثم غنم قبل مجيئهم ، فقسم للناس ولم يقسم للطلائع ، فأنزل الله عليه عتابا : " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل " أي يقسم لبعض ويترك بعضا . وروي نحو هذا القول عن ابن عباس . وقال ابن عباس أيضا وعكرمة وابن جبير وغيرهم :

--> ( 1 ) الربوب : القطيع من بقر الوحش والظباء وغير ذلك . الخميلة : الأرض السهلة اللينة ذات الشجر . البرير : ؟ ؟ ؟ الأراك . ( 2 ) هذا عجز بيت للأعشى وصدره : * كل وضاح كريم جده * .