القرطبي

253

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

صلى الله عليه وسلم أشار بالقعود ، وكذلك عبد الله بن أبي أشار بذلك وقال : أقم يا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس ، فإن هم أقاموا أقاموا بشر مجلس ، وإن جاؤونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية وأفواه السكك ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام ( 1 ) ، فوالله ما حاربنا قط عدو في هذه المدينة إلا غلبناه ، ولا خرجنا منها إلى عدو إلا غلبنا . وأبى هذا الرأي من ذكرنا ، وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب . فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة ، ودخل إثر صلاته بيته ولبس سلاحه ، فندم أولئك القوم وقالوا : أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما خرج عليهم في سلاحه قالوا : يا رسول الله ، أقم إن شئت فإنا لا نريد أن نكرهك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ينبغي لنبي إذا لبس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل ) . الثامنة - قوله تعالى : ( فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين ) التوكل : الاعتماد على الله مع إظهار العجز ، والاسم التكلان . يقال منه : اتكلت عليه في أمري ، وأصله : " أو تكلت " قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، ثم أبدلت منها التاء وأدغمت في تاء الافتعال . ويقال : وكلته بأمري توكيلا ، والاسم الوكالة بكسر الواو وفتحها . واختلف العلماء في التوكل ، فقالت طائفة من المتصوفة : لا يستحقه إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سبع أو غيره ، وحتى يترك السعي في طلب الرزق لضمان الله تعالى . وقال عامة الفقهاء : ما تقدم ذكره عند قوله تعالى : ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) [ آل عمران : 160 ] ( 2 ) . وهو الصحيح كما بيناه . وقد خاف موسى وهارون بإخبار الله تعالى عنهما في قوله " لا تخافا " ( 3 ) . وقال : " فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف " [ طه : 67 - 68 ] ( 3 ) . وأخبر عن إبراهيم بقوله : " فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف " [ هود : 70 ] ( 4 ) . فإذا كان الخليل وموسى والكليم قد خافا - وحسبك بهما - فغيرهما أولى . وسيأتي بيان هذا المعنى . قوله تعالى : إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون ( 160 )

--> ( 1 ) الآطام ( جمع أطم بضمتين ) : الأبنية المرتفعة كالحصون . وقيل : حصون مبنية بالحجارة . ( 2 ) راجع ص 189 من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 11 ص 201 و 221 . ( 4 ) راجع ج 9 ص 62 .