القرطبي

21

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثانية - قوله تعالى : ( وهب لنا من لدنك رحمة ) أي من عندك ومن قبلك تفضلا لا عن سبب منا ولا عمل . وفى هذا استسلام وتطارح . وفى " لدن " أربع لغات : لدن بفتح اللام وضم الدال وجزم النون ، وهي أفصحها ، وبفتح اللام وضم الدال وحذف النون ، وبضم اللام وجزم الدال وفتح النون ، وبفتح اللام وسكون الدال وفتح النون . ولعل جهال المتصوفة وزنادقة الباطنية يتشبثون بهذه الآية وأمثالها فيقولون : العلم ما وهبه الله ابتداء من غير كسب ، والنظر في الكتب والأوراق حجاب . وهذا مردود على ما يأتي بيانه في هذا الموضع . ومعنى الآية : هب لنا نعيما صادرا عن الرحمة ، لان الرحمة راجعة إلى صفة الذات فلا يتصور فيها الهبة . يقال : وهب يهب والأصل . يوهب بكسر الهاء . ومن قال : الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو كما لم تحذف في يوجل ، وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتح بعد حذفها لان فيه حرفا من حروف الحلق . قوله تعالى : ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد ( 9 ) أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم ، وفى هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة . قال الزجاج : هذا هو التأويل الذي علمه الراسخون وأقروا به ، وخالف الذين اتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حتى أنكروه . والريب الشك ، وقد تقدمت محامله في البقرة ( 1 ) . والميعاد مفعال من الوعد . قوله تعالى : إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار ( 10 ) معناه بين ، أي لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا . وقرأ السلمي ( 2 ) " لن يغنى " بالياء لتقدم الفعل ودخول الحائل بين الاسم والفعل . وقرأ الحسن " يغنى " بالياء وسكون الياء الآخرة للتخفيف ، كقول الشاعر :

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 159 . ( 2 ) السلمي ( بضم السين ) هو أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين الصوفي الأزدي . ( عن تذكرة الحفاظ وأنساب السمعاني ) .