القرطبي

210

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

اقتحم عليها فدفعت عن نفسها فقبل يدها ، فندم ( 1 ) على ذلك فخرج يسيح في الأرض نادما تائبا ، فجاء الثقفي فأخبرته زوجته بفعل صاحبه ، فخرج في طلبه فأتى به إلى أبي بكر وعمر رجاء أن يجد عندهما فرجا فوبخاه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بفعله ، فنزلت هذه الآية . والعموم أولى للحديث . وروي عن ابن مسعود أن الصحابة قالوا : يا رسول الله ، كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منا ، حيث كان المذنب منهم تصبح عقوبته [ مكتوبة ] ( 2 ) على باب داره ، وفي رواية : كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة داره : أجدع أنفك ، أقطع أذنك ، أفعل كذا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية توسعة ورحمة وعوضا من ذلك الفعل ببني إسرائيل . ويروى أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية . والفاحشة تطلق على كل معصية ، وقد كثر اختصاصها بالزنا حتى فسر جابر بن عبد الله والسدي هذه الآية بالزنا . و " أو " في قوله : " أو ظلموا أنفسهم " قيل هي بمعنى الواو ، والمراد ما دون الكبائر . ( ذكروا الله ) معناه بالخوف من عقابه والحياء منه . الضحاك : ذكروا العرض الأكبر على الله . وقيل تفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه ، قاله الكلبي ومقاتل . وعن مقاتل أيضا : ذكروا الله باللسان عند الذنوب . ( فاستغفروا لذنوبهم ) أي طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم . وكل دعاء فيه هذا المعنى أو لفظه فهو استغفار . وقد تقدم في صدر هذه السورة ( 3 ) سيد الاستغفار ، وأن وقته الأسحار . فالاستغفار عظيم وثوابه جسيم ، حتى لقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من قال استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له . وإن كان قد فر من الزحف ) . وروى مكحول عن أبي هريرة قال : ما رأيت أكثر استغفارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال مكحول : ما رأيت أكثر استغفارا من أبي هريرة . وكان مكحول كثير الاستغفار . قال علماؤنا : الاستغفار المطلوب هو الذي يحل عقد الاصرار ويثبت معناه في الجنان ، لا التلفظ باللسان . فأما من قال بلسانه : استغفر الله ، وقلبه مصر على معصيته فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار ، وصغيرته لاحقة بالكبائر . وروي عن الحسن البصري أنه قال : استغفارنا يحتاج إلى استغفار .

--> ( 1 ) في ب ود وه‍ : ثم . ( 2 ) كذا في ابن عطية ، وهي الرواية . ( 3 ) راجع ص 38 .