القرطبي

211

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : هذا يقوله في زمانه ، فكيف في زماننا هذا الذي يرى فيه الانسان مكبا على الظلم ! حريصا عليه لا يقلع ، والسبحة في يده زاعما أنه يستغفر الله من ذنبه وذلك استهزاء منه واستخفاف . وفي التنزيل " ولا تتخذوا آيات الله هزوا " [ البقرة : 231 ] . وقد تقدم ( 1 ) . الثانية - قوله تعالى : ( ومن يغفر الذنوب إلا الله ) أي ليس أحد يغفر المعصية ولا يزيل عقوبتها إلا الله . ( ولم يصروا ) أي ولم يثبتوا ويعزموا على ما فعلوا . وقال مجاهد : أي ولم يمضوا . وقال معبد بن صبيح : صليت خلف عثمان وعلي إلى جانبي ، فأقبل علينا فقال : صليت بغير وضوء ثم ذهب فتوضأ وصلى . ( ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ) . الاصرار هو العزم بالقلب على الامر وترك الاقلاع عنه . ومنه صر الدنانير أي الربط عليها ، قال الحطيئة يصف الخيل : عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا * علاتها بالمحصدات ( 2 ) أصرت أي ثبتت على عدوها . وقال قتادة : الاصرار الثبوت على المعاصي ، قال الشاعر : يصر بالليل ما تخفي شواكله ( 3 ) * يا ويح كل مصر القلب ختار ( 4 ) قال سهل بن عبد الله : الجاهل ميت ، والناسي نائم ، والعاصي سكران ، والمصر هالك ، والاصرار هو التسويف ، والتسويف أن يقول : أتوب غدا ، وهذا دعوى النفس ، كيف يتوب غدا وغدا لا يملكه ! . وقال غير سهل : الاصرار هو أن ينوي أن يتوب فإذا نوى التوبة [ النصوح ] ( 5 ) خرج عن الاصرار . وقول سهل أحسن . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا توبة مع إصرار ) . الثالثة - قال علماؤنا : الباعث على التوبة وحل الاصرار إدامة الفكر في كتاب الله العزيز الغفار ، وما ذكره الله سبحانه من تفاصيل الجنة ووعد به المطيعين ، وما وصفه من

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 446 وج‍ 3 ص 156 . ( 2 ) العلامة ( بالضم ) : بقية جرى الفرس ، والمحصدات : السباط المفتولة . ( 3 ) الشواكل : الطرق المنشعبة عن الطريق الأعظم . ( 4 ) الختر : شبيه بالغدر والخديعة . وقيل : هو أسوأ الغدر وأقبحه ، و " ختار " للبالغة ( 5 ) في ب ود .