القرطبي
208
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أعظم العبادة وجهاد النفس ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( ليس الشديد بالصرعة ( 1 ) ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) . وقال عليه السلام ( ما من جرعة يتجرعها العبد خير له وأعظم أجرا من جرعة غيظ في الله ) . وروى أنس أن رجلا قال : يا رسول الله ، ما أشد من كل شئ ؟ قال : ( غضب الله ) . قال فما ينجي من غضب الله ؟ قال : ( لا تغضب ) . قال العرجي : وإذا غضبت فكن وقورا كاظما * للغيظ تبصر ما تقول وتسمع فكفى به شرفا تبصر ساعة * يرضى بها عنك الاله وترفع وقال عروة بن الزبير في العفو : لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا * حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام ويشتموا فترى الألوان مشرقة * لا عفو ذل ولكن عفو إكرام وروى أبو داود وأبو عيسى الترمذي عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء ) قال : هذا حديث حسن غريب . وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقوم العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب ) . ذكره الماوردي . وقال ابن المبارك : كنت عند المنصور جالسا فأمر بقتل رجل ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان يوم القيامة نادى مناد بين يدي الله عز وجل من كانت له يد عند الله فليتقدم فلا يتقدم إلا من عفا عن ذنب ) ، فأمر بإطلاقه . الرابعة - قوله تعالى : ( والله يحب المحسنين ) أي يثيبهم على إحسانهم . قال سري السقطي : الاحسان أن تحسن وقت الامكان ، فليس كل وقت يمكنك الاحسان ، قال الشاعر :
--> ( 1 ) الصرعة ( بضم الصاد وفتح الراء ) : المبالغ في الصراع الذي لا يغلب ، فنقله إلى الذي يغلب نفسه عند الغضب ويقهرها .