القرطبي
194
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قبلها . قال : وأظنه ذكر : ثم جاءت ريح شديدة ، فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانت الريح الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو بكر عن يمينه ، وكانت الريح الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة . وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه قال : لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا يشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه . وعن الربيع بن أنس قال : كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به ، ذكر جميعه البيهقي رحمه الله . وقال بعضهم : إن الملائكة كانوا يقاتلون وكانت علامة ضربهم في الكفار ظاهرة ، لان كل موضع أصابت ضربتهم اشتعلت النار في ذلك الموضع ، حتى إن أبا جهل قال لابن مسعود : أنت قتلني ؟ ! إنما قتلني الذي لم يصل سناني إلى سنبك فرسه ( 1 ) وإن اجتهدت . وإنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة لتسكين قلوب المؤمنين ، ولأن الله تعالى جعل أولئك الملائكة مجاهدين إلى يوم القيامة ، فكل عسكر صبر وأحتسب تأتيهم الملائكة ويقاتلون معهم . وقال ابن عباس ومجاهد : لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر ، وفيما سوى ذلك يشهدون ولا يقاتلون إنما يكونون عددا أو مددا . وقال بعضهم : إنما كانت الفائدة في كثرة الملائكة أنهم كانوا يدعون ويسبحون ، ويكثرون ( 2 ) الذين يقاتلون يومئذ ، فعلى هذا لم تقاتل الملائكة يوم بدر ( 3 ) وإنما حضروا للدعاء بالتثبيت ، والأول أكثر . قال قتادة : كان هذا يوم بدر ، أمدهم الله بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف ، ثم صاروا خمسة آلاف ، فذلك قوله تعالى : " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين " ( 4 ) وقوله : " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين " [ آل عمران : 124 ] وقوله : " بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين " [ آل عمران : 125 ] فصبر المؤمنون يوم بدر واتقوا الله فأمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وعدهم ، فهذا كله يوم بدر . وقال الحسن : فهؤلاء الخمسة آلاف ردء ( 5 ) للمؤمنين إلى يوم القيامة . قال الشعبي : بلغ النبي
--> ( 1 ) في د : قدميه . وسنبك الدابة طرف حافرها . ( 2 ) في د وه وب : والثواب للذين يقاتلون . . . ( 3 ) في ه ود : إلا يوم بدر . ( 4 ) راجع ج 7 ص 370 . ( 5 ) الردء : العون والناصر .