القرطبي

195

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين ، فأنزل الله تعالى : " ألن يكفيكم - إلى قوله : مسومين " فبلغ كرزا الهزيمة فلم يمدهم ورجع ، فلم يمدهم ( 1 ) الله أيضا بالخمسة آلاف ، وكانوا قد مدوا بألف . وقيل : إنما وعد الله المؤمنين يوم بدر إن صبروا على طاعته ، واتقوا محارمه أن يمدهم أيضا في حروبهم كلها ، فلم يصبروا ولم يتقوا محارمه إلا في يوم الأحزاب ، فأمدهم حين حاصروا قريظة . وقيل : إنما كان هذا يوم أحد ، وعدهم الله المدد إن صبروا ، فما صبروا فلم يمدهم بملك واحد ، ولو أمدوا لما هزموا ، قاله عكرمة والضحاك . فإن قيل : فقد ثبت عن سعد بن أبي وقاص أنه قال : رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن يساره يوم بدر ( 2 ) رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه أشد القتال ، ما رأيتهما قبل ولا بعد . قيل له : لعل هذا مختص بالنبي صلى الله عليه وسلم ، خصه بملكين يقاتلان عنه ، ولا يكون هذا إمدادا للصحابة . والله أعلم . الثانية - نزول الملائكة سبب من أسباب النصر لا يحتاج إليه الرب تعالى ، وإنما يحتاج إليه المخلوق فليعلق القلب بالله وليثق به ، فهو الناصر بسبب وبغير سبب ، " إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون [ يس : 82 ] ( 3 ) . لكن أخبر بذلك ليمتثل الخلق ما أمرهم به من الأسباب التي قد خلت من قبل ، " ولن تجد لسنة الله تبديلا " [ الأحزاب : 62 ] ( 4 ) ، ولا يقدح ذلك في التوكل . وهو رد على من قال : إن الأسباب إنما سنت في حق الضعفاء لا للأقوياء ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا الأقوياء وغيرهم هم الضعفاء ، وهذا واضح . و " مد " في الشر و " أمد " في الخير . وقد تقدم في البقرة ( 5 ) . وقرأ أبو حياة " منزلين " بكسر الزاي مخففا ، يعني منزلين النصر . وقرأ ابن عامر مشددة الزاي مفتوحة على التكثير . ثم قال : ( بلى ) وتم الكلام . " إن تصبروا " شرط ، أي على لقاء العدو . ( وتتقوا ) عطف عليه ، أي معصيته . والجواب " يمدكم " . ومعنى " من فورهم " من وجههم . هذا عن عكرمة وقتادة والحسن

--> ( 1 ) في ج وأ : فأمدهم . والمثبت هو ما في باقي الأصول وهو التحقيق قال الآلوسي : ولم يمدوا بها بناء على تعليق الامداد بها بمجموع الأمور الثلاثة الخ . ( 2 ) في ب وه‍ : يوم أحد . ( 3 ) راجع ج 15 ص 60 . ( 4 ) راجع ج 14 ص 247 . ( 5 ) راجع ج 1 ص 209 .