القرطبي
181
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه . ومن هذا المعنى نهيه عليه السلام أن يشتحي ( 1 ) الرجل فاه في عرض أخيه . معناه أن يفتح ، يقال : شحى الحمار فاه بالنهيق ، وشحى الفم نفسه . وشحى اللجام فم الفرس شحيا ، وجاءت الخيل شواحي : فاتحات أفواهها . ولا يفهم من هذا الحديث دليل خطاب على الجواز فيأخذ أحد في عرض أخيه همسا ، فإن ذلك يحرم باتفاق من العلماء . وفي التنزيل " ولا يغتب بعضكم بعضا " [ الحجرات : 12 ] ( 1 ) الآية . وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ) . فذكر الشحو إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط ، فاعلم . الخامسة - وفي هذه الآية دليل على أن شهادة العدو على عدوه لا يجوز ، وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز ، وروى عن أبي حنيفة جواز ذلك . وحكى ابن بطال عن ابن شعبان أنه قال : أجمع العلماء على أنه لا تجوز شهادة العدو على عدوه في شئ وإن كان عدلا ، والعداوة تزيل العدالة فكيف بعداوة كافر . السادسة : قوله تعالى : ( وما تخفي صدورهم أكبر ) إخبار وإعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم . وقرأ عبد الله بن مسعود : " قد بدأ البغضاء " بتذكير الفعل ، لما كانت البغضاء بمعنى البغض . قوله تعالى : هأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ( 119 ) قوله تعالى : ( ها أنتم أولاء تحبونهم ) يعني المنافقين ، دليله قوله تعالى : " وإذا لقوكم قالوا آمنا " ، قاله أبو العالية ومقاتل . والمحبة هنا بمعنى المصافاة ، أي أنتم أيها المسلمون تصافونهم ولا يصافونكم لنفاقهم . وقيل : المعنى تريدون لهم الاسلام وهم يريدون لكم الكفر . وقيل : المراد اليهود ، قاله الأكثر . والكتاب اسم جنس ، قال ابن عباس : يعني
--> ( 1 ) في ه ود : يشحى . وفى اللسان شحا يشحوفاه فتحه ، وشحا يشحاه . ( 2 ) راجع ج 16 ص 334 .