القرطبي
17
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أن يقال : عبد الله راكبا ، بمعنى أقبل عبد الله راكبا ، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله : عبد الله يتكلم يصلح بين الناس ، فكان " يصلح " حالا له ، كقول الشاعر - أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب - : أرسلت فيها قطما لكالكا ( 1 ) * يقصر يمشى ويطول باركا أي يقصر ماشيا ، فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده ، وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفى الله سبحانه شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك . ألا ترى قوله عز وجل : " قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله " ( 2 ) وقوله : " لا يجليها لوقتها إلا هو ( 3 ) " وقوله : " كل شئ هالك إلا وجهه " ( 4 ) ، فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه لا يشركه فيه غيره . وكذلك قوله تبارك وتعالى : " وما يعلم تأويله إلا الله " . ولو كانت الواو في قوله : " والراسخون " ( 5 ) للنسق لم يكن لقوله : " كل من عند ربنا " فائدة . والله أعلم . قلت : ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روى عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل ، وأنهم داخلون في علم المتشابه ، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به ، وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم . و " يقولون " على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين ، كما قال : الريح تبكى شجوها * والبرق يلمع في الغمامة وهذا البيت يحتمل المعنيين ، فيجوز أن يكون " والبرق " مبتدأ ، والخبر " يلمع " على التأويل الأول ، فيكون مقطوعا مما قبله . ويجوز أن يكون معطوفا على الريح ، و " يلمع " في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامعا . واحتج قائلوا هذه المقالة أيضا بأن الله سبحانه مدحهم
--> ( 1 ) في الأصول : " أرسلت فيها رجلا " والتصويب عن اللسان وشرح القاموس . والقطم : الغضبان ، وفحل قطم وقطم وقطيم : صؤول . والقطم أيضا : المشتهى اللحم وغيره . واللكالك ( بضم اللام الأولى وكسر الثانية ) : الجمل الضخم المرمى باللحم . قال أبو علي الفارسي : " يقصر إذا مشى لانخفاض بطنه وضخمه وتقاربه من الأرض ، فإذا برك رأيته طويلا لارتفاع سنامه ، فهو باركا أطول منه قائما " . ( اللسان مادة لكك ) . ( 2 ) راجع ج 13 ص 225 ( 3 ) راجع ج 7 ص 335 . ( 4 ) راجع ج 13 ص 322 . ( 5 ) في الأصول : " والراسخون معا للنسق " .