القرطبي

18

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بالرسوخ في العلم ، فكيف يمدحهم وهم جهال ! وقد قال ابن عباس : أنا ممن يعلم تأويله . وقرأ مجاهد هذه الآية وقال : أنا ممن يعلم تأويله ، حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي . قلت - وقد رد بعض العلماء هذا القول إلى القول الأول فقال : وتقدير تمام الكلام " عند الله " أن معناه وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل المتشابهات ، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا بما نصب من الدلائل في المحكم ومكن من رده إليه . فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا ، وما لم يحط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا فإن قال قائل : قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس : لا أدرى ما الأواه ولا ما غسلين ) قيل له : هذا لا يلزم ، لان ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه . وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا فإذا لم يعلمه أحد علمه الاخر . ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك ، وفى قوله عليه السلام لابن عباس : " اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " ما يبين لك ذلك ، أي علمه معاني كتابك . والوقف على هذا يكون عند قوله " والراسخون في العلم " . قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر : وهو الصحيح ، فإن تسميتهم راسخين يقتضى أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوى في علمه جميع من يفهم كلام العرب . وفى أي شئ هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع . لكن المتشابه يتنوع ، فمنه ما لا يعلم البتة كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بغيبه ، وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره . فمن قال من العلماء الحداق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع ، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم ، كقوله في عيسى : " وروح منه " ( 1 ) إلى غير ذلك فلا يسمى أحد راسخا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له . وأما من يقول : إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل ، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح .

--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 21