القرطبي

169

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثالثة - قوله تعالى : ( فأما الذين اسودت وجوههم ) في الكلام حذف ، أي فيقال لهم ( أكفرتم بعد إيمانكم ) يعني يوم الميثاق حين قالوا بلى . ويقال : هذا لليهود وكانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به . وقال أبوا لعالية : هذا للمنافقين ، يقال ( 1 ) : أكفرتم في السر ( 2 ) بعد إقراركم في العلانية . وأجمع أهل العربية على أنه لا بد من الفاء في جواب " أما " لان المعنى في قولك : " أما زيد فمنطلق ، مهما يكن من شئ فزيد منطلق " . وقوله تعالى : ( وأما الذين ابيضت وجوههم ) هؤلاء أهل طاعة الله عز وجل والوفاء بعهده . ( ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) أي في جنته ودار كرامته خالدون باقون . جعلنا الله منهم وجنبنا طرق البدع والضلالات ، ووفقنا لطريق الذين آمنوا وعملوا الصالحات . آمين . قوله تعالى : تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعلمين ( 108 ) ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلي الله ترجع الأمور ( 109 ) . قوله تعالى : ( تلك آيات الله ) ابتداء وخبر ، يعني القرآن . ( نتلوها عليك ) يعني ننزل عليك جبريل فيقرؤها عليك . ( بالحق ) أي بالصدق . وقال الزجاج : " تلك آيات الله " المذكورة حجج الله ودلائله . وقيل : " تلك " بمعنى هذه ولكنها لما انقضت صارت كأنها بعدت فقيل " تلك " ويجوز أن تكون " آيات الله " بدلا من " تلك " ولا تكون نعتا ، لان المبهم لا ينعت بالمضاف . ( وما الله يريد ظلما للعالمين ) يعني أنه لا يعذبهم بغير ذنب . ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) قال المهدوي : وجه اتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين وأنه لا يريد ظلما للعالمين ، وصله بذكر اتساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما في السماوات وما في الأرض [ في قبضته ، وقيل : هو ابتداء كلام ، بين لعباده أن جميع ما في السماوات وما في الأرض ] ( 3 ) له حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره .

--> ( 1 ) في د وب وه‍ : يقول . ( 2 ) في د وه‍ وب : مع . ( 3 ) الزيادة من نسخ : د .