القرطبي
142
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمنا من عذابه . وهذا معنى قوله عليه السلام : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) . قال الحسن : الحج المبرور هو أن يرجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة . وأنشد : يا كعبة الله دعوة اللاجي * دعوة مستشعر ومحتاج ودع أحبابه ومسكنه * فجاء ما بين خائف راجي ( 1 ) إن يقبل الله سعيه كرما * نجا ، وإلا فليس بالناجي وأنت ممن ترجى شفاعته * فأعطف على وافد بن حجاج وقيل : المعنى ومن دخله عام عمرة القضاء مع محمد صلى الله عليه وسلم كان آمنا . دليله قوله تعالى : " لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين " [ الفتح : 27 ] ( 2 ) . وقد قيل : إن " من " ها هنا لمن لا يعقل ، والآية في أمان الصيد ، وهو شاذ ، وفي التنزيل : " فمنهم من يمشي على بطنه " [ النور : 45 ] ( 3 ) الآية . قوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين ) فيه تسع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( ولله ) اللام في قوله " ولله " لام الايجاب والالزام ، ثم أكده بقوله تعالى : ( على ) التي هي من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب ، فإذا قال العربي : لفلان على كذا ، فقد وكده وأوجبه . فذكر الله تعالى الحج [ بأبلغ ] ( 4 ) ألفاظ الوجوب تأكيدا لحقه وتعظيما لحرمته . ولا خلاف في فريضته ( 5 ) ، وهو أحد قواعد الاسلام ، وليس يجب إلا مرة في العمر . وقال بعض الناس : يجب في كل خمسة أعوام [ مرة ] ( 6 ) ، ورووا في ذلك حديثا أسندوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، والحديث باطل لا يصح ، والاجماع صاد في وجوههم . قلت : وذكر عبد الرزاق قال : حدثنا سفيان [ الثوري ] ( 7 ) عن العلاء بن المسيب عن أبيه عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الرب عز وجل إن عبدا أوسعت عليه في الرزق فلم يعد إلي في كل أربعة أعوام لمحروم ) مشهور من حديث العلاء بن المسيب بن رافع الكاهلي الكوفي من أولاد المحدثين ، روى عنه غير واحد ، منهم من قال : في كل خمسة أعوام ،
--> ( 1 ) في د : ما بين خائفه والراجي . ( 2 ) راجع ج 16 ص 289 . ( 3 ) راجع ج 12 ص 291 ( 4 ) في د وب وز وه . وفى أ : بأوك . ( 5 ) في دوب : فرضيته . ( 6 ) في ب ود . ( 7 ) في د .