القرطبي

143

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ومنهم من قال : عن العلاء عن يونس بن خباب ( 1 ) عن أبي سعيد ، في غير ذلك من الاختلاف . وأنكرت الملحدة الحج ، فقالت : إن فيه تجريد الثياب وذلك يخالف الحياء ، والسعي وهو يناقض الوقار ، ورمي الجمار لغير مرمى وذلك يضاد العقل ، فصاروا إلى أن هذه الأفعال كلها باطلة ، إذ لم يعرفوا لها حكمة ولا علة ، وجهلوا أنه ليس من شرط المولى مع العبد ، أن يفهم المقصود بجميع ما يأمره به ، ولا أن يطلع على فائدة تكليفه ، وإنما يتعين عليه الامتثال ، ويلزمه الانقياد من غير طلب فائدة ولا سؤال عن مقصود . ولهذا المعنى كان عليه السلام يقول في تلبيته : ( لبيك حقا حقا تعبدا ورقا لبيك إله الحق ) . وروى الأئمة عن أبي هريرة قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ) . فقال رجل : كل عام يا رسول الله ؟ فسكت ، حتى قالها ثلاثا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ) ثم قال : ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه ) لفظ مسلم . فبين هذا الحديث أن الخطاب إذا توجه على المكلفين بفرض أنه يكفي منه فعل مرة ولا يقتضي التكرار ، خلافا للأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني وغيره . وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أصحابه : يا رسول الله ، أحجنا لعامنا هذا أم للأبد ؟ فقال : ( لا بل للأبد ) . وهذا نص في الرد على من قال : يجب في كل خمس سنين مرة . وقد كان الحج معلوما عند العرب مشهورا لديهم ، وكان مما يرغب فيه لأسواقها وتبررها ( 2 ) وتحنفها ، فلما جاء الاسلام خوطبوا بما علموا وألزموا بما عرفوا . وقد حج النبي صلى الله عليه وسلم قبل حج الفرض ، وقد وقف بعرفة ولم يغير من شرع إبراهيم ما غيروا ، حين كانت قريش تقف بالمشعر الحرام ويقولون : نحن أهل الحرم فلا نخرج منه ، ونحن الحمس ( 3 ) . حسب ما تقدم بيانه في " البقرة " ( 4 ) . قلت : من أغرب ما رأيته أن النبي صلى الله عليه وسلم حج قبل الهجرة مرتين وأن الفرض سقط عنه بذلك ، لأنه قد أجاب نداء إبراهيم حين قيل له : " وأذن في الناس

--> ( 1 ) في أ : ابن حبان ، والتصويب من د وز وب . ( 2 ) التبرر : الطاعة ، وفى أ : نجيعها : طلب الكلأ . في د : تحنفها . ( 3 ) الخمس جمع الأحمس ، وهم قريش ومن ولدت قريش وكنانة وجديلة قيس ، سموا حمسا لأنهم محمسوا في دينهم ، أي تشددوا . ( 4 ) راجع ج 2 ص 345 .