القرطبي

139

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وتصدية " [ الأنفال : 35 ] ( 1 ) أي تصفيقا وتصفيرا . وهذا لا يوجبه التصريف ، لان " مكة " ثنائي مضاعف و " مكاء " ثلاثي معتل . الثالثة - قوله تعالى : ( مباركا ) جعله مباركا لتضاعف العمل فيه ، فالبركة كثرة الخير ، ونصب على الحال من المضمر في " وضع " أو بالظرف من " بكة " المعنى : الذي استقر " ببكة مباركا " ويجوز في غير القرآن " مبارك " ، على أن يكون خبرا ثانيا ، أو على البدل من الذي ، أو على إضمار مبتدأ . ( وهدى للعالمين ) عطف عليه ، ويكون بمعنى وهو هدى للعالمين . ويجوز في غير القرآن " مبارك " بالخفض يكون نعتا للبيت . الرابعة - قوله تعالى : ( فيه آيات بينات ) رفع بالابتداء أو بالصفة . وقرأ أهل مكة وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير " آية بينة " على التوحيد ، يعني مقام إبراهيم وحده . قالوا : أثر قدميه في المقام آية بينة . وفسر مجاهد مقام إبراهيم بالحرم كله ، فذهب إلى أن من آياته الصفا والمروة والركن والمقام . والباقون بالجمع . أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها . قال : أبو جعر النحاس : من قرأ " آيات بينات " فقراءته أبين ، لان الصفا والمروة من الآيات ، ومنها أن الطائر لا يعلو البيت صحيحا ، ومنها أن الجارح ( 2 ) يطلب الصيد فإذا دخل الحرم تركه ، ومنها أن الغيث إذا كان ناحية الركن اليماني كان الخصب باليمن ، وإذا كان بناحية الشامي كان الخصب بالشام ، وإذ عم البيت كان الخصب في جميع البلدان ، ومنها أن الجمار على ما يزاد عليها ترى ( 3 ) على قدر واحد . والمقام من قولهم : قمت مقاما ، وهو الموضع الذي يقام فيه . والمقام من قولك : أقمت مقاما . وقد مضى هذا في البقرة ( 4 ) ، ومضى الخلاف أيضا في المقام والصحيح منه . وارتفع المقام على الابتداء والخبر محذوف ، والتقدير منها مقام إبراهيم ، قاله الأخفش . وحكى عن محمد بن يزيد أنه قال : " مقام " بدل من " آيات " . وفيه قول ثالث بمعنى هي مقام إبراهيم . وقول الأخفش معروف في كلام العرب . كما قال زهير :

--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 400 . ( 2 ) في د : أن الحاج يتبع ، والصواب ما أثبتناه من ز ، وب . ( 3 ) في ز : على ما يراد منها ترمى . ( 4 ) راجع ج 2 ص 112 .