القرطبي

140

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لها متاع وأعوان غدون به * قتب ( 1 ) وغرب إذا ما أفرغ انسحقا أي مضى وبعد سيلانه . وقول أبي العباس : إن مقاما بمعنى مقامات ، لأنه مصدر . قال الله تعالى : " ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم " [ البقرة : 7 ] ( 2 ) . وقال الشاعر : * إن العيون التي في طرفها مرض * ( 3 ) أي في أطرافها . ويقوي هذا الحديث المروي ( الحج [ كله ] ( 4 ) مقام إبراهيم ) . الخامسة - قوله تعالى : ( ومن دخله كان آمنا ) قال قتادة : ذلك أيضا من آيات الحرم . قال النحاس : وهو قول حسن ، لان الناس كانوا يتخطفون من حواليه ، ولا يصل إليه جبار ، وقد وصل إلى بيت المقدس وخرب ، ولم يوصل إلى الحرم . قال الله تعالى : " ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل " [ الفيل : 1 ] ( 5 ) . وقال بعض أهل المعاني : صورة الآية خبر ومعناها أمر ، تقديرها ومن دخله فأمنوه ، كقوله : " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج " [ البقرة : 197 ] ( 6 ) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا . ولهذا المعنى قال الامام السابق النعمان بن ثابت : من اقترف ذنبا واستوجب به حدا ثم لجأ إلى الحرم عصمه ، [ لقوله تعالى : ] " ومن دخله كان آمنا " ، فأوجب الله سبحانه الامن لمن دخله . وروي ذلك عن جماعة من السلف منهم ابن عباس وغيره من الناس . قال ابن العربي : " وكل من قال هذا فقد وهم من جهتين : إحداهما أنه لم يفهم من الآية أنها خبر عما مضى ، ولم يقصد بها إثبات حكم مستقبل ، الثاني أنه لم يعلم أن ذلك الامن قد ذهب وأن القتل والقتال قد وقع بعد ذلك فيها ، وخبر الله لا يقع بخلاف مخبره ، فدل ذلك على أنه كان في الماضي هذا . وقد ناقض أبو حنيفة فقال ، إذا لجأ إلى الحرم لا يطعم ولا يسقى ولا يعامل ولا يكلم حتى يخرج ، فاضطراره ( 7 ) إلى الخروج ليس يصح معه أمن . وروي عنه أنه قال : يقع القصاص في الأطراف في الحرم ولا أمن أيضا مع هذا " .

--> ( 1 ) قوله : لها متاع ، أي لهذه الناقة التي يستقى عليها . والقتب ( بالكسر ) : جميع أداة السانية من أعلاقها وحبالها . والسانية : ما يسقى عليه الزرع والحيوان من بعير وغيره . والغرب : الدلو العظيمة . ( 2 ) راجع ج 1 ص 185 . ( 3 ) البيت لجرير ، والذي في الديوان : في طرفها حور . ( 4 ) في دوز وه‍ . هذا من قول سعيد ابن جبير كما في تفسير ابن كثير وفيه توجيه ج 3 ص 191 . ( 5 ) ج 20 ص 187 . ( 6 ) ج 2 ص 407 . ( 7 ) في دوز : فاضطره ، وفى الأصول الأخرى : فاضطروه ، والتصحيح من ابن العربي .