القرطبي

56

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

اصطناع المعروف واجب . فقيل له : إنه ينهى عن الزنى . فقال : هو فحش وقبيح في العقل ، وقد صرت شيخا فلا أحتاج إليه . فقيل له : إنه ينهى عن شرب الخمر . فقال : أما هذا فإني لا أصبر عليه ! فرجع ، وقال : أشرب الخمر سنة ثم أرجع إليه ، فلم يصل إلى منزله حتى سقط عن البعير فانكسرت عنقه فمات . وكان قيس بن عاصم المنقري شرابا لها في الجاهلية ثم حرمها على نفسه ، وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة ( 1 ) ابنته وهو سكران ، وسب أبويه ، ورأى القمر فتكلم بشئ ، وأعطى الخمار كثيرا من ماله ، فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه ، وفيها يقول : رأيت الخمر صالحة وفيها * خصال تفسد الرجل الحليما فلا والله أشربها صحيحا * ولا أشفى بها أبدا سقيما ولا أعطى بها ثمنا حياتي * ولا أدعو لها أبدا نديما فإن الخمر تفضح شاربيها * وتجنيهم بها الامر العظيما قال أبو عمر : وروى ابن الأعرابي عن المفضل الضبي أن هذه الأبيات لأبي محجن الثقفي قالها في تركه الخمر ، وهو القائل رضي الله عنه : إذا مت فادفني إلى جنب كرمة * تروى عظامي بعد موتى عروقها ولا تدفنني بالفلاة فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها ( 2 ) وجلده عمر الحد عليها مرارا ، ونفاه إلى جزيرة في البحر ، فلحق بسعد فكتب إليه عمر أن يحبسه فحبسه ، وكان أحد الشجعان البهم ( 3 ) ، فلما كان من أمره في حرب القادسية ما هو معروف حل قيوده وقال : لا نجلدك على الخمر أبدا . قال أبو محجن : وأنا والله لا أشربها أبدا ، فلم يشربها بعد ذلك . وفى رواية : قد كنت أشربها إذ يقام على الحد [ وأطهر منها ( 4 ) ] ، وأما إذ بهرجتني ( 5 ) فوالله لا أشربها أبدا . وذكر الهيثم بن عدي أنه أخبره من رأى قبر أبى محجن بآذربيجان ،

--> ( 1 ) العكنة : ما انطوى وتثنى من لحم البطن سمنا . ( 2 ) بالرفع ، إما على إهمال " أن " وإما على أنها مخففة من الثقيلة . ( 3 ) البهم ( بضم ففتح جمع البهمة ) : الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى له من شدة بأسه . ( 4 ) زيادة عن كتاب " الاستيعاب " . ( 5 ) بهرجتني : أي أهدرتني بإسقاط الحد عنى .