القرطبي

411

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

العاشرة - لما قال تعالى : " مقبوضة " قال علماؤنا : فيه ما يقتضى بظاهره ومطلقه جواز رهن المشاع ( 1 ) . خلافا لأبي حنيفة وأصحابه ، لا يجوز عندهم أن يرهنه ثلث دار ولا نصفا من عبد ولا سيف ، ثم قالوا : إذا كان لرجلين على رجل مال هما فيه شريكان فرهنهما بذلك أرضا فهو جائز إذا قبضاها . قال ابن المنذر : وهذا إجازة رهن المشاع ، لان كل واحد منهما مرتهن نصف دار ( 2 ) . قال ابن المنذر : رهن المشاع جائز كما يجوز بيعه . الحادية عشرة - ورهن ما في الذمة جائز عند علمائنا ، لأنه مقبوض خلافا لمن منع ذلك ، ومثاله رجلان تعاملا لأحدهما على الآخر دين فرهنه دينه الذي عليه . قال ابن خويز منداد : وكل عرض جاز بيعه جاز رهنه ، ولهذه العلة جوزنا رهن ما في الذمة ، لان بيعه جائز ، ولأنه مال تقع الوثيقة به فجاز أن يكون رهنا ، قياسا على سلعة موجودة . وقال من منع ذلك : لأنه لا يتحقق إقباضه والقبض شرط في لزوم الرهن ، لأنه لا بد أن يستوفى الحق منه عند المحل ، ويكون الاستيفاء من ماليته لا من عينه ولا يتصور ذلك في الدين . الثانية عشرة - روى البخاري عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة " . وأخرجه أبو داود وقال بدل " يشرب " في الموضعين : " يحلب " . قال الخطابي : هذا كلام مبهم ليس في نفس اللفظ بيان من يركب ويحلب ، هل الراهن أو المرتهن أو العدل الموضوع على يده الرهن ؟ . قلت : قد جاء ذلك مبينا مفسرا في حديثين ، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك ، فروى الدارقطني من حديث أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته " . أخرجه عن أحمد بن علي بن العلاء حدثنا زياد بن أيوب حدثنا هشيم حدثنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة . وهو قول أحمد وإسحاق : أن المرتهن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة . وقال أبو ثور : إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن . وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه

--> ( 1 ) في ه‍ : المتاع . ( 2 ) كذا في الأصول ، ينبغي : نصف أرض .