القرطبي

327

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

العاشرة - قوله تعالى : ( إلا أن تغمضوا فيه ) كذا قراءة الجمهور ، من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضى ببعض حقه وتجاوز ، ومن ذلك قول الطرماح : لم يفتنا بالوتر قوم وللذل * أناس يرضون بالاغماض وقد يحتمل أن يكون منتزعا إما من تغميض العين ، لان الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عينيه - قال : إلى كم وكم أشياء منك تريبني * أغمض عنها لست عنها بذى عمى وهذا كالاغضاء عند المكروه . وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية - وأشار إليه مكي - وإما من قول العرب : أغمض الرجل إذا أتى غامضا من الامر ، كما تقول : أعمن أي أتى عمان ، وأعرق أي أتى العراق ، وأنجد وأغور أي أتى نجدا والغور الذي هو تهامة ، أي فهو يطلب التأويل على أخذه . وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففا ، وعنه أيضا . " تغمضوا " بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم وشدها . فالأولى على معنى تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم . والثانية ، وهي قراءة قتادة فيما ذكر النحاس ، أي تأخذوا بنقصان . وقال أبو عمرو الداني : معنى قراءتي ( 1 ) الزهري حتى تأخذوا بنقصان . وحكى مكي عن الحسن " إلا أن تغمضوا " مشددة الميم مفتوحة . وقرأ قتادة أيضا " تغمضوا " بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففا . قال أبو عمرو الداني : معناه إلا أن يغمض لكم ، وحكاه النحاس عن قتادة نفسه . وقال ابن جنى : معناها توجدوا قد غمضتم في الامر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس . وهذا كما تقول : أحمدت الرجل وجدته محمودا ، إلى غير ذلك من الأمثلة . قال ابن عطية : وقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين ، لان أغمض بمنزلة غمض . وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك ، إما لكونه حراما على قول ابن زيد ، وإما لكونه مهدى أو مأخوذا في دين على قول غيره .

--> ( 1 ) في ب وج‍ .