القرطبي

301

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ثم قطعها قطعا صغارا ، وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون أعجب ، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءا على كل جبل ، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وأمسك رؤوس الطير في يده ، ثم قال : تعالين بإذن الله ، فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ما كانت أولا وبقيت بلا رؤوس ، ثم كرر النداء فجاءته سعيا ، أي عدوا على أرجلهن . ولا يقال للطائر : " سعى " إذا طار إلا على التمثيل ، قاله النحاس . وكان إبراهيم إذا أشار إلى واحد منها بغير رأسه تباعد الطائر ، وإذا أشار إليه برأسه قرب حتى لقي كل طائر رأسه ، وطارت بإذن الله . وقال الزجاج : المعنى ثم أجعل على كل جبل من كل واحد جزءا . وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو جعفر " جزؤا " على فعل . وعن أبي جعفر أيضا " جزا " مشددة الزاي . الباقون مهموز مخفف ، وهي لغات ، ومعناه النصيب . ( يأتينك سعيا ) نصب على الحال . و ( صرهن ) معناه قطعهن ، قاله ابن عباس ومجاهد وأبو عبيدة وابن الأنباري ، يقال : صار الشئ يصوره أي قطعه ، وقاله ابن إسحاق . وعن أبي الأسود الدؤلي : هو بالسريانية التقطيع ، قال توبة بن الحمير يصفه : فلما جذبت الحبل أطت نسوعه * بأطراف عيدان شديد سيورها فأدنت لي الأسباب حتى بلغتها * بنهضي وقد كاد ارتقائي يصورها أي يقطعها . والصور : القطع . وقال الضحاك وعكرمة وابن عباس في بعض ما روى عنه : إنها لفظة بالنبطية معناه قطعهن . وقيل : المعنى أملهن إليك ، أي اضممهن واجمعهن إليك ، يقال : رجل أصور إذا كان مائل العنق . وتقول : إني إليكم لأصور ، يعنى مشتاقا مائلا . وامرأة صوراء ، والجمع صور مثل أسود وسود ، قال الشاعر : الله يعلم أنا في تلفتنا * يوم الفراق إلى جيراننا صور فقوله " إليك " على تأويل التقطيع متعلق ب‍ " خذ " ولا حاجة إلى مضمر ، وعلى تأويل الإمالة والضم متعلق ب‍ " صرهن " وفى الكلام متروك : فأملهن إليك ثم قطعهن . وفيها خمس قراءات : اثنتان في السبع وهما ضم الصاد وكسرها وتخفيف الراء . وقرأ قوم " فصرهن " بضم الصاد