القرطبي

25

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى الامر وإلى الله ترجع الأمور ( 210 ) ( هل ينظرون ) يعنى التاركين الدخول في السلم ( 1 ) ، و " هل " يراد به هنا الجحد ، أي ما ينتظرون : ( إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ) . نظرته وانتظرته بمعنى . والنظر الانتظار . وقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع والضحاك " في ظلال من الغمام " . وقرأ أبو جعفر " والملائكة " بالخفض عطفا على الغمام ، وتقديره مع الملائكة ، تقول العرب : أقبل الأمير في العسكر ، أي مع العسكر . " ظلل " جمع ظلة في التكسير ، كظلمة وظلم وفى التسليم ظللات ، وأنشد سيبويه : إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها * سواقط من حر وقد كان أظهرا ( 2 ) وظلات وظلال ، جمع ظل في الكثير ، والقليل أظلال . ويجوز أن يكون ظلال جمع ظلة ، مثل قوله : قلة وقلال ، كما قال الشاعر : * ممزوجة بماء القلال ( 3 ) * قال الأخفش سعيد : و " الملائكة " بالخفض بمعنى وفى الملائكة . قال : والرفع أجود ، كما قال : " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ( 4 ) " ، " وجاء ربك والملك صفا صفا ( 5 ) " . قال الفراء : وفى قراءة عبد الله " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام " . قال قتادة : الملائكة يعنى تأتيهم لقبض أرواحهم ، ويقال يوم القيامة ، وهو أظهر . قال أبو العالية والربيع : تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام ، ويأتيهم الله فيما شاء . وقال الزجاج : التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة . وقيل : ليس الكلام على ظاهره في حقه سبحانه ، وإنما المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه . وقيل : أي بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل ، مثل : " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ( 6 ) " أي بخذلانه إياهم ، هذا قول الزجاج ، والأول قول الأخفش سعيد . وقد يحتمل أن يكون معنى الاتيان راجعا إلى الجزاء ، فسمى

--> ( 1 ) في من " الاسلام " . ( 2 ) البيت للجعدي . ومعنى أظهر : صار في وقت الظهيرة . وصف سيره في الهاجرة إذا استكن الوحش من حر الشمس واحتدامها ولحق بكنسه . ( 3 ) القلال ( بالكسر جمع قلة بالضم ) : الجرة ، وقيل ، هو إناء للعرب كالجرة . ( 4 ) آية 158 سورة الأنعام . ( 5 ) آية 22 سورة الفجر . ( 6 ) آية 2 سورة الحشر .