القرطبي

255

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بدر : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " . وأكثر المفسرين : على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة ، فقال بعضهم : كيف نطيق العدو مع كثرتهم ! فقال أولو العزم منهم : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " . قال البراء بن عازب : كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا - وفى رواية : وثلاثة عشر رجلا - وما جاز معه إلا مؤمن . الحادية عشرة - قوله تعالى : ( قال الذين يظنون ) والظن هنا بمعنى اليقين ، ويجوز أن يكون شكا لا علما ، أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء ، فوقع الشك في القتل . قوله تعالى : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ) الفئة : الجماعة من الناس والقطعة منهم ، من فأوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته . وفى قولهم رضي الله عنهم : " كم من فئة قليلة " الآية ، تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه . قلت : هكذا يجب علينا نحن أن نفعل ؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة ، وذلك بما كسبت أيدينا ! وفى البخاري : وقال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم . وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم " . فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة ! . قال الله تعالى : " اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ( 1 ) " وقال : " وعلى الله فتوكلوا ( 2 ) " وقال : " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ( 3 ) " وقال : " ولينصرن الله من ينصره ( 4 ) " وقال : " إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ( 5 ) " . فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا ! بل لم يبق من الاسلام إلا ذكره ، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا ، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم ! .

--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 322 . ( 2 ) راجع ج 6 ص 127 . ( 3 ) راجع ج 10 ص 202 ( 4 ) راجع ج 12 ص 72 . ( 5 ) راجع ج 8 ص 23