القرطبي
24
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
منافعه ومضاره ، وكل مستدير كفة ، وكل مستطيل كفة . ورجل مكفوف البصر ، أي منع عن النظر ، فالجماعة تسمى كافة لامتناعهم عن التفرق . ( ولا تتبعوا ) نهى . ( خطوات الشيطان ) مفعول ، وقد تقدم ( 1 ) . وقال مقاتل : استأذن عبد الله بن سلام وأصحابه بأن يقرءوا التوراة في الصلاة ، وأن يعملوا ببعض ما في التوراة ، فنزلت " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " فإن اتباع السنة أولى بعد ما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من خطوات الشيطان . وقيل : لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان ، ( إنه لكم عدو مبين ) ظاهر العداوة ، وقد تقدم ( 2 ) . قوله تعالى : فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ( 209 ) ( فإن زللتم ) أي تنحيتم عن طريق الاستقامة . وأصل الزلل في القدم ، ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك ، يقال : زل يزل زلا وزللا وزلولا ، أي دحضت قدمه . وقرأ أبو السمال العدوي " زللتم " بكسر اللام ، وهما لغتان . وأصل الحرف ، من الزلق ، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق . ( من بعد ما جاءتكم البينات ) أي المعجزات وآيات القرآن ، إن كان الخطاب للمؤمنين ، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الاعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به . وفى الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به ، ومن لم تبلغه دعوة الاسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع . وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن ، فأقرأه الذي كان يعلمه " فاعلموا أن الله غفور رحيم " فقال كعب : إني لأستنكر أن يكون هكذا ، ومر بهما رجل فقال كعب : كيف تقرأ هذه الآية ؟ فقال الرجل : " فاعلموا أن الله عزيز حكيم " فقال كعب : هكذا ينبغي . و ( عزيز ) لا يمتنع عليه ما يريده . ( حكيم ) فيما يفعله .
--> ( 1 ) راجع المسألة الثالثة ج 2 ص 208 ( 2 ) تراجع المسألة الرابعة ج 2 ص 209