القرطبي

233

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

السلام نهى من لم يكن في أرض الوباء عن دخولها إذا وقع فيها ، ونهى من هو فيها عن الخروج منها بعد وقوعه فيها فرارا منه ، فكذلك الواجب أن يكون حكم كل متق من الأمور غوائلها ، سبيله في ذلك سبيل الطاعون . وهذا المعنى نظير قوله عليه السلام : " لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا " . قلت : وهذا هو الصحيح في الباب ، وهو مقتضى قول الرسول عليه السلام ، وعليه عمل أصحابه البررة الكرام [ رضى الله ( 1 ) عنهم ] ، وقد قال عمر لأبي عبيدة محتجا عليه لما قال له : أفرارا من قدر الله ! فقال عمر : لو غيرك قالها يا أبا عبيدة " نعم ، نفر من قدر الله إلى قدر الله . المعنى : أي لا محيص للانسان عما قدره الله له وعليه ، ولكن أمرنا الله تعالى بالتحرز من المخاوف [ والمهلكات ( 2 ) ] ، وباستفراغ الوسع في التوقي من المكروهات . ثم قال له : أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان ( 3 ) إحداهما خصبة ( 4 ) والأخرى جدبة ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله ، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله [ عز وجل ] . فرجع عمر من موضعه ذلك إلى المدينة . قال الكيا الطبري : ولا نعلم خلافا أن الكفار أو قطاع الطريق إذا قصدوا بلدة ضعيفة لا طاقة لأهلها بالقاصدين فلهم أن يتنحوا ( 5 ) من بين أيديهم ، وإن كانت الآجال المقدرة لا تزيد ولا تنقص . وقد قيل : إنما نهى عن الفرار منه لان الكائن بالموضع الذي الوباء فيه لعله قد أخذ بحظ منه ، لاشتراك أهل ذلك الموضع في سبب ذلك المرض العام ، فلا فائدة لفراره ، بل يضيف إلى ما أصابه من مبادئ الوباء مشقات السفر ، فتتضاعف الآلام ويكثر الضرر فيهلكون بكل طريق ويطرحون في كل فجوة ومضيق ، ولذلك يقال : ما فر أحد من الوباء فسلم ، حكاه ابن المدائني . ويكفي في ( 6 ) ذلك موعظة قوله تعالى : " ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا " ولعله إن فر ونجا يقول : إنما نجوت من أجل خروجي عنه فيسوء اعتقاده . وبالجملة فالفرار منه ممنوع لما ذكرناه ، ولما فيه من تخلية البلاد : ولا تخلو من مستضعفين يصعب عليهم الخروج

--> ( 1 ) من ه‍ . ( 2 ) من ز ، وفى الأصول الأخرى : الهلكات . ( 3 ) العدوة ( بضم العين وكسرها وسكون الدال ) شاطئ الوادي وحافته . ( 4 ) في البخاري : خصيبة . قال ابن حجر : بوزن عظيمة . ( 5 ) من ه‍ : وفيها : ينجوا . ( 6 ) في ه‍ وز وج‍ : من .