القرطبي
234
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
منها ، ولا يتأتى لهم ذلك ، ويتأذون بحلو البلاد من المياسير الذين كانوا أركانا للبلاد ومعونة للمستضعفين . وإذا كان الوباء بأرض فلا يقدم عليه أحد أخذا بالحزم والحذر والتحرز من مواضع الضرر ، ودفعا للأوهام المشوشة لنفس الانسان ، وفى الدخول عليه الهلاك ، وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى ، فإن صيانة النفس عن المكروه واجبة ، وقد يخاف عليه من سوء الاعتقاد بأن يقول : لولا دخولي في هذا المكان لما نزل بي مكروه . فهذه فائدة النهى عن دخول أرض بها الطاعون أو الخروج منها ، والله أعلم . وقد قال ابن مسعود : الطاعون فتنة على المقيم والفار ، فأما الفار فيقول : فبفراري نجوت ، وأما المقيم فيقول : أقمت فمت ، وإلى نحو هذا أشار مالك حين سئل عن كراهة النظر إلى المجذوم فقال : ما سمعت فيه بكراهة ، وما أرى ما جاء من النهى عن ذلك إلا خيفة أن يفزعه أو يخيفه شئ يقع في نفسه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الوباء : " إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " . وسئل أيضا عن البلدة يقع فيها الموت وأمراض ، فهل يكره الخروج منها ؟ فقال : ما أرى بأسا خرج أو أقام . الرابعة - في قوله عليه السلام : " إذا وقع الوباء بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " . دليل على أنه يجوز الخروج من بلدة الطاعون على غير سبيل الفرار منه ، إذا اعتقد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وكذلك حكم الداخل إذا أيقن أن دخولها ( 1 ) لا يجلب إليه قدرا لم يكن الله قدره له ، فباح له الدخول إليه والخروج منه على هذا الحد الذي ذكرناه ، والله أعلم . الخامسة - في فضل الصبر على الطاعون وبيانه . الطاعون وزنه فاعول من الطعن ، غير أنه لما عدل به عن أصله وضع دالا على الموت العام بالوباء ، قاله الجوهري . ويروى من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فناء أمتي بالطعن والطاعون " قالت : الطعن قد عرفناه فما الطاعون ؟ قال : " غدة كغدة ( 2 ) البعير تخرج في المراق ( 3 ) والآباط " . قال العلماء : وهذا الوباء قد يرسله الله نقمة وعقوبة على من يشاء
--> ( 1 ) في ج وح : أن دخوله . ( 2 ) الغدة : طاعون الإبل ، وقلما تسلم منه . ( 3 ) المراق : ما سفل من البطن فما تحته من المواضع التي ترق جلودها ، واحدها مرق . وقال الجوهري : لا واحد لها .