القرطبي

243

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بالخفض . وقال غيره : الزاهق هنا : بمعنى الذاهب كأنه قال : ولا ضعاف مخهن ، ثم رد الزاهق على الضعاف . ورجل ممسود : أي مجدول الخلق . وجارية حسنة المسد والعصب والجدل والارم ( 1 ) ، وهي ممسودة ومعصوبة ومجدولة ومأرومة . والمساد ، على فعال : لغة في المساب ( 2 ) ، وهي نحى السمن ، وسقاء العسل . قال جميعه الجوهري . وقد أعترض فقيل : إن كان ذلك حبلها الذي تحتطب به ، فكيف يبقى في النار ؟ وأجيب عنه بأن الله عز وجل قادر على تجديده كلما احترق . والحكم ببقاء أبي لهب وامرأته في النار مشروط ببقائهما على الكفر إلى الموافاة ( 3 ) ، فلما ماتا على الكفر صدق الاخبار عنهما . ففيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم . فامرأته خنقها الله بحبلها ، وأبو لهب رماه الله بالعدسة ( 4 ) بعد وقعة بدر بسبع ليال ، بعد أن شجته أم الفضل ( 5 ) وذلك أنه لما قدم الحيسمان مكة يخبر خبر بدر ، قال له أبو لهب : أخبرني خبر الناس . قال : نعم ، والله ما هو إلا أن لقينا القوم ، فمنحناهم أكتافنا ، يضعون السلاح منا حيث شاءوا ، ومع ذلك ما لمست الناس . لقينا رجالا بيضا على خيل بلق ، لا والله ما تبقى منا ، يقول : ما تبقي شيئا . قال أبو رافع : وكنت غلاما للعباس أنحت الاقداح في صفة زمزم ، وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر ، فرفعت طنب الحجرة ، فقلت : تلك والله الملائكة . قال : فرفع أبو لهب يده ، فضرب وجهي ضربة منكرة ، وثاورته ( 6 ) ، وكنت رجلا ضعيفا ، فاحتملني ، فضرب بي الأرض ، وبرك على صدري يضربني . وتقدمت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة ، فتأخذه وتقول : استضعفته أن غاب عنه سيده ! وتضربه بالعمود على رأسه فتفلقه شجة منكرة . فقام يجر رجليه ذليلا ، ورماه الله بالعدسة ، فمات ، وأقام ثلاثة أيام لم يدفن حتى أنتن ، ثم إن ولده غسلوه بالماء ، قذفا من بعيد ، مخافة عدوى العدسة . وكانت قريش تتقيها كما يتقي الطاعون . ثم احتلموه إلى أعلى مكة ، فأسندوه إلى جدار ، ثم رضموا ( 7 ) عليه الحجارة .

--> ( 1 ) أي مجدولة الخلق . ( 2 ) وقد يهمز فيقال مسأب كمنبر . ( 3 ) كذا في الأصول والظاهر أن اللفظ محرف عن ( الوفاة ) . ( 4 ) العدسة : بثرة تخرج بالبدن فتقتل . ( 5 ) هي لبابة الكبرى بنت الحارث بن حزن الهالية أخت ميمونة أم المؤمنين . ( 6 ) المثاورة : المواثبة . ( اللسان : ثور ) . ( 7 ) رضموا : أي جعلوا الحجارة بعضها على بعض .