القرطبي
71
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا أمروا به ، ولفظة الحسد تعطي هذا . فجاء ( من عند أنفسهم " تأكيدا وإلزاما ، كما قال تعالى : " يقولون بأفواههم ( 1 ) " ، " يكتبون الكتاب بأيديهم " ، " ولا طائر يطير بجناحيه ( 2 ) " . والآية في اليهود . الثانية - الحسد نوعان : مذموم ومحمود ، فالمذموم أن تتمنى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم ، وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا ، وهذا النوع الذي ذمه الله تعالى في كتابه بقوله : " أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ( 3 ) " وإنما كان مذموما لان فيه تسفيه الحق سبحانه ، وأنه أنعم على من لا يستحق . وأما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه السلام : ( لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار ) . وهذا الحسد معناه الغبطة . وكذلك ترجم عليه البخاري " باب الاغتباط في العلم والحكمة " . وحقيقتها : أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره ، وقد يجوز أن يسمى هذا منافسة ، ومنه قوله تعالى : " وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ( 4 ) " . " من بعد ما تبين لهم الحق " أي " من بعد ما تبين لهم الحق " لهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، والقرآن الذي جاء به . قوله تعالى - " فاعفوا واصفحوا " فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : " فاعفوا " والأصل اعفووا حذفت الضمة لثقلها ، ثم حذفت الواو لالتقاء الساكنين . والعفو : ترك المؤاخذة بالذنب . والصفح : إزالة أثره من النفس . صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه . وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته ، ومنه قوله تعالى : " أفنضرب عنكم الذكر صفحا ( 5 ) " . الثانية - هذه الآية منسوخة بقوله : " قاتلوا الذين لا يؤمنون " إلى قوله : " صاغرون ( 6 ) " عن ابن عباس . وقيل : الناسخ لها " فاقتلوا المشركين ( 7 ) " . قال أبو عبيدة :
--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 267 . ( 2 ) ج 6 ص 419 . ( 3 ) ج 5 ص 251 . ( 4 ) ج 19 ص 264 . ( 5 ) ج 16 ص 62 . ( 6 ) ج 8 ص 109 . ( 7 ) ج 8 ص 72 .