القرطبي

72

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

كل آية فيها ترك للقتال فهي مكية منسوخة بالقتال . قال ابن عطية : وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف ، لان معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة . قلت : وهو الصحيح ، روى البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار عليه قطيفة فدكية ( 1 ) وأسامة وراءه ، يعود سعد بن عبادة في بني الحارث ابن الخزرج قبل وقعة بدر ، فسارا حتى مرا بمجلس فيه عبد الله بن أبي ابن سلول ( 2 ) - وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي - فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود ، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة ، فلما غشيت المجلس عجاجة ( 3 ) الدابة خمر ( 4 ) ابن أبي أنفه بردائه وقال : لا تغيروا علينا ! فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل ، فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن ، فقال له عبد الله بن أبي ابن سلول : أيها المرء ، لا أحسن مما تقول إن كان حقا ! فلا تؤذنا به في مجالسنا ، [ ارجع إلى رحلك ( 5 ) ] فمن جاءك فاقصص عليه . قال عبد الله بن رواحة : بلى يا رسول الله ، فاغشنا في مجالسنا ، فإنا نحب ذلك . فاستتب المشركون والمسلمون واليهود حتى كادوا يتثاورون ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( [ يا سعد ( 5 ) ] ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب - يريد عبد الله بن أبي - قال كذا وكذا ) فقال : أي رسول الله ، بأبي أنت وأمي ! اعف عنه واصفح ، فوالذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك ، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة ( 6 ) على أن يتوجوه ويعصبوه بالعصابة ، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك ، فذلك فعل ما رأيت ، فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما

--> ( 1 ) فدكية : منسوبة إلى فدك ( بالتحريك ) قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان . ( 2 ) سلول : أم عبد الله بن أبي . ( 3 ) العجاج : الغبار . ( 4 ) خمر أنفه : غطاه . ( 5 ) زيادة عن صحيحي البخاري ومسلم يقتضيها السياق . والرحل : المنزل . ( 6 ) البحيرة ( تصغير البحرة ) : مدينة الرسول عليه السلام ، وقد جاء في رواية مكيرا .