القرطبي

4

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ما كنت جاهلا يا محمد فلا تجهل علينا ، من حدثك بهذا ؟ ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا ! روي هذا المعنى عن مجاهد . قوله تعالى : " وإذا خلا " الأصل في " خلا " خلو ، قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وتقدم معنى " خلا " في أول السورة ( 1 ) . ومعنى " فتح " حكم . والفتح عند العرب : القضاء والحكم ، ومنه قوله تعالى : " ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين " ( 2 ) أي الحاكمين ، والفتاح : القاضي بلغة اليمن ، يقال : بيني وبينك الفتاح ، قيل ذلك لأنه ينصر المظلوم على الظالم . والفتح : النصر ، ومنه قوله : " يستفتحون على الذين كفروا " ، ( 3 ) ، وقوله : " إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح " ( 4 ) . ويكون بمعنى الفرق بين الشيئين . قوله تعالى : " ليحاجوكم " نصب بلام كي ، وإن شئت بإضمار أن ، وعلامة النصب ، حذف النون . قال يونس : وناس من العرب يفتحون لام كي . قال الأخفش : لان الفتح الأصل . قال خلف الأحمر : هي لغة بني العنبر . ومعنى " ليحاجوكم " ليعيروكم ، ويقولوا نحن أكرم على الله منكم . وقيل : المعنى ليحتجوا عليكم بقولكم ، يقولون كفرتم به بعد أن وقفتم على صدقه . وقيل : إن الرجل من اليهود كان يلقي صديقه من المسلمين فيقول له : تمسك بدين محمد فإنه نبي حقا . " عند ربكم " قيل في الآخرة ، كما قال : " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون " ( 5 ) . وقيل : عند ذكر ربكم . وقيل : " عند " بمعنى " في " أي ليحاجوكم به في ربكم ، فيكونوا أحق به منكم لظهور الحجة عليكم ، وروي عن الحسن . والحجة : الكلام المستقيم على الاطلاق ، ومن ذلك محجة الطريق . وحاججت فلانا فحججته ، أي غلبته بالحجة . ومنه الحديث : ( فحج آدم موسى ) . " أفلا تعقلون " قيل : هو من قول الأحبار للاتباع . وقيل : هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين ، أي أفلا تعقلون أن بني إسرائيل لا يؤمنون وهم بهذه الأحوال . ثم وبخهم توبيخا يتلى فقال : " أولا يعلمون " الآية . فهو استفهام معناه التوبيخ والتقريع . وقرأ الجمهور " يعلمون " بالياء ، وابن محيصن بالتاء ، خطابا للمؤمنين . والذي أسروه كفرهم ، والذي أعلنوه الجحد به .

--> ( 1 ) يراجع ج 1 ص 206 طبعة ثانية . ( 2 ) راجع ج 7 ص 251 . ( 3 ) راجع ص 26 من هذا الجزء . ( 4 ) راجع ج 7 ص 386 . ( 5 ) راجع ج 15 ص 254