القرطبي

44

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

آخر ( 1 ) : أرانا موضعين لأمر غيب ( 2 ) * ونسحر بالطعام وبالشراب عصافير وذبان ودود * وأجرأ من مجلحة ( 3 ) الذئاب وقوله تعالى : " إنما أنت من المسحرين " يقال : المسحر الذي خلق ذا سحر ، ويقال من المعللين ، أي ممن يأكل الطعام ويشرب الشراب . وقيل : أصله الخفاء ، فإن الساحر يفعله في خفية . وقيل : أصله الصرف ، يقال : ما سحرك عن كذا ، أي ما صرفك عنه ، فالسحر مصروف عن جهته . وقيل : أصله الاستمالة ، وكل من استمالك فقد سحرك . وقيل في قوله تعالى : " بل نحن قوم مسحورون " أي سحرنا فأزلنا بالتخييل عن معرفتنا . وقال الجوهري : السحر الآخذة ، وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر ، وقد سحره يسحره سحرا . والساحر : العالم ، وسحره أيضا بمعنى خدعه ، وقد ذكرناه . وقال ابن مسعود : كنا نسمي السحر في الجاهلية العضه . والعضه عند العرب : شدة البهت وتمويه الكذب ، قال الشاعر : أعوذ بربي من النافثات * في عضه العاضه المعضه الرابعة - واختلف هل له حقيقة أم لا ، فذكر الغزنوي الحنفي في عيون المعاني له : أن السحر المعتزلة خدع لا أصل له ، وعند الشافعي وسوسة وأمراض . قال : وعندنا أصله طلسم يبني على تأثير خصائص الكواكب ، كتأثير الشمس في زئبق عصي فرعون ، أو تعظيم الشياطين ليسهلوا له ما عسر . قلت : وعندنا أنه حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما شاء ، على ما يأتي . ثم من السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة . والشعوذي : البريد لخفة سيره . قال ابن فارس في المجمل : الشعوذة ليس من كلام أهل البادية ، وهي خفة في اليدين وأخذة كالسحر ، ومنه ما يكون كلاما يحفظ ، ورقى من أسماء الله تعالى . وقد يكون من عهود الشياطين ، ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك .

--> ( 1 ) هو أمرؤ القيس ، كما في ديوانه واللسان . ( 2 ) موضعين : مسرعين . لأمر غيب : يريد الموت . وأنه قد غيب عنا وقته ، ونحن ؟ عنه بالطعام والشراب . ( 3 ) ذئب مجلح : جرئ .