القرطبي
45
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الخامسة - سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفصاحة في الكلام واللسانة فيه سحرا ، فقال : ( إن من البيان لسحرا ) أخرجه مالك وغيره . وذلك لان فيه تصويب الباطل حتى يتوهم السامع أنه حق ، فعلى هذا يكون قوله عليه السلام : ( إن من البيان لسحرا ) خرج مخرج الذم للبلاغة والفصاحة ، إذ شبهها بالسحر . وقيل : خرج مخرج المدح للبلاغة والتفضيل للبيان ، قاله جماعة من أهل العلم . والأول أصح ، والدليل عليه قوله عليه السلام : ( فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ) ، وقوله : ( إن أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون ) . الثرثرة : كثرة الكلام وترديده ، يقال : ثرثر الرجل فهو ثرثار مهذار . والمتفيهق نحوه . قال ابن دريد . فلان يتفيهق في كلامه إذا توسع فيه وتنطع ، قال : وأصله الفهق وهو الامتلاء ، كأنه ملا به فمه . قلت : وبهذا المعنى الذي ذكرناه فسره عامر الشعبي راوي الحديث وصعصعة بن صوحان فقالا : أما قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن من البيان لسحرا ) فالرجل يكون عليه ألحق وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق وهو عليه ، وإنما يحمد العلماء البلاغة واللسانة ما لم تخرج إلى حد الاسهاب والاطناب ، وتصوير الباطل في صورة الحق . وهذا بين ، والحمد لله . السادسة - من السحر ما يكون كفرا من فاعله ، مثل ما يدعون من تغيير صور الناس ، وإخراجهم في هيئة بهيمة ، وقطع مسافة شهر في ليلة ، والطيران في الهواء ، فكل من فعل هذا ليوهم الناس أنه محق فذلك كفر منه ، قاله أبو نصر عبد الرحيم القشيري . قال أبو عمرو : من زعم أن الساحر يقلب الحيوان من صورة إلى صورة ، فيجعل الانسان حمارا أو نحوه ، ويقدر على نقل الأجساد وهلاكها وتبديلها ، فهذا يرى قتل الساحر لأنه كافر بالأنبياء ، يدعي مثل آياتهم ومعجزاتهم ، ولا يتهيأ مع هذا علم صحة النبوة إذ قد يحصل مثلها بالحيلة . وأما من زعم أن السحر خدع ومخاريق وتمويهات وتخييلات فلم يجب على أصله قتل الساحر ، إلا أن يقتل بفعله أحدا فيقتل به .