القرطبي
431
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : فإذا قضيتم منسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلق ( 200 ) فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : " فإذا قضيتم مناسككم " قال مجاهد : المناسك الذبائح وهراقة الدماء . وقيل : هي شعائر الحج ، لقوله عليه السلام : ( خذوا عني مناسككم ) . المعنى : فإذا فعلتم منسكا من مناسك الحج فاذكروا الله وأثنوا عليه بآلائه عندكم . وأبو عمرو يدغم الكاف في الكاف ، وكذلك " ما سلككم " لأنهما مثلان . و " قضيتم " هنا بمعنى أديتم وفرغتم ، قال الله تعالى : " فإذا قضيت الصلاة " ( 1 ) [ الجمعة : 10 ] أي أديتم الجمعة . وقد يعبر بالقضاء عما فعل من العبادات خارج وقتها المحدود لها . الثانية - قوله تعالى : " فاذكروا الله كذكركم آباءكم " كانت عادة العرب إذا قضت حجها تقف عند الجمرة ، فتفاخر بالاباء ، وتذكر أيام أسلافها من بسالة وكرم ، وغير ذلك ، حتى أن الواحد منهم ليقول : اللهم إن أبي كان عظيم القبة ، عظيم الجفنة ( 2 ) ، كثير المال ، فأعطني مثل ما أعطيته ، فلا يذكر غير أبيه ، فنزلت الآية ليلزموا أنفسهم ذكر الله أكثر من التزامهم ذكر آبائهم أيام الجاهلية . هذا قول جمهور المفسرين . وقال ابن عباس وعطاء والضحاك والربيع : معنى الآية واذكروا الله كذكر الأطفال آباءهم وأمهاتهم : أبه أمه ، أي فاستغيثوا به والجئوا إليه كما كنتم تفعلون في حال صغركم بآبائكم . وقالت طائفة : معنى الآية اذكروا الله وعظموه وذبوا عن حرمه ، وادفعوا من أراد الشرك في دينه ومشاعره ، كما تذكرون آباءكم بالخير إذا غض أحد منهم ، وتحمون جوانبهم وتذبون عنهم . وقال أبو الجوزاء لابن عباس : إن الرجل اليوم لا يذكر أباه ، فما معنى الآية ؟ قال : ليس كذلك ، ولكن أن تغضب لله تعالى
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 108 . ( 2 ) الجفنة : أعظم ما يكون من القصاع .