القرطبي
390
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وأهل أصحابه بحج ، فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدى من أصحابه ، وحل بقيتهم . قال بعض أهل العلم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا ، وإذا كان قارنا فقد حج واعتمر ، واتفقت الأحاديث . وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بعمرة ، فقال من رآه : تمتع ثم أهل بحجة . فقال من رآه : أفرد ثم قال : ( لبيك بحجة وعمرة ) . فقال من سمعه : قرن . فاتفقت الأحاديث . والدليل على هذا أنه لم يرو أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفردت الحج ولا تمتعت . وصح عنه أنه قال : ( قرنت ) كما رواه النسائي عن علي أنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي : ( كيف صنعت ) قلت : أهللت بإهلالك . قال ( فإني سقت الهدى وقرنت ) . قال وقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه : ( لو استقبلت من أمري كما استدبرت لفعلت كما فعلتم ولكني سقت الهدى وقرنت ) . وثبت عن حفصة قالت قلت : يا رسول الله ، ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم ولم تحلل أنت ؟ قال : ( إني لبدت رأسي وسقت هديي فلا أحل حتى أنحر ) . وهذا يبين أنه كان قارنا ، لأنه لو كان متمتعا أو مفردا لم يمتنع من نحر الهدى . قلت : ما ذكره النحاس أنه لم يرو أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أفردت الحج ) فقد تقدم من رواية عائشة أنه قال : ( وأما أنا فأهل بالحج ) . وهذا معناه : فأنا أفرد الحج ، إلا أنه يحتمل أن يكون قد أحرم بالعمرة ، ثم قال : فأنا أهل بالحج . ومما يبين هذا ما رواه مسلم عن ابن عمر ، وفيه : وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج ، فلم يبق في قوله : ( فأنا أهل بالحج ) دليل على الافراد . وبقي قوله عليه السلام : ( فإني قرنت ) . وقول أنس خادمه أنه سمعه يقول : ( لبيك بحجة وعمرة معا ) نص صريح في القران لا يحتمل التأويل . وروى الدارقطني عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال : إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه ليس بحاج بعدها . الرابعة - وإذا مضى القول في الافراد والتمتع والقران وأن كل ذلك جائز بإجماع فالتمتع بالعمرة إلى الحج عند العلماء على أربعة أوجه ، منها وجه واحد مجتمع عليه ، والثلاثة مختلف