القرطبي

389

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الافراد والقران وهما سنتان للنبي صلى الله عليه وسلم . واحتج أحمد في اختياره التمتع بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة ) . أخرجه الأئمة . وقال آخرون : القران أفضل ، منهم أبو حنيفة والثوري ، وبه قال المزني قال : لأنه يكون مؤديا للفرضين جميعا ، وهو قول إسحاق . قال إسحاق : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قارنا ، وهو قول علي بن أبي طالب . واحتج من استحب القران وفضله بما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي العقيق ( 1 ) يقول : ( أتاني الليلة آت من ربي فقال صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة ) . وروى الترمذي عن أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لبيك بعمرة وحجة ) . وقال : حديث حسن صحيح . قال أبو عمر : والافراد إن شاء الله أفضل ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مفردا ، فلذلك قلنا إنه أفضل ، لان الآثار أصح عنه في إفراده صلى الله عليه وسلم ، ولان الافراد أكثر عملا ثم العمرة عمل آخر . وذلك كله طاعة والأكثر منها أفضل . وقال أبو جعفر النحاس : المفرد أكثر تعبا من المتمتع ، لاقامته على الاحرام وذلك أعظم لثوابه . والوجه في اتفاق الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمرنا بالتمتع والقران جاز أن يقال : تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرن ، كما قال جل وعز : " ونادى فرعون في قومه " ( 2 ) [ الزخرف : 51 ] . وقال عمر بن الخطاب : رجمنا ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما أمر بالرجم . قلت : الأظهر في حجته عليه السلام القران ، وأنه كان قارنا ، لحديث عمر وأنس المذكورين . وفي صحيح مسلم عن بكر عن أنس قال : ( سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يلبي بالحج والعمرة معا ) ( 3 ) . قال بكر : فحدثت بذلك ابن عمر فقال : لبى بالحج وحده ، فلقيت أنسا فحدثته بقول ابن عمر ، فقال أنس : ما تعدوننا إلا صبيانا ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لبيك عمرة وحجا ) . وفي صحيح مسلم أيضا عن ابن عباس قال : أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة

--> ( 1 ) العقيق : موضع بينه وبين المدينة أربعة أميال . ( 2 ) راجع ج 16 ص 98 . ( 3 ) عبارة مسلم : " جميعا " .