القرطبي

333

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

مخصوص . وأجمع العلماء على أنه ليس بواجب ، وهو قربة من القرب ونافلة من النوافل عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأزواجه ، ويلزمه إن ألزمه نفسه ، ويكره الدخول فيه لمن يخاف عليه العجز عن الوفاء بحقوقه . الثامنة والعشرون - أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد ، لقول الله تعالى " في المساجد " . واختلفوا في المراد بالمساجد ، فذهب قوم إلى أن الآية خرجت على نوح من المساجد ، وهو ما بناه نبي كالمساجد الحرام ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد إيلياء ( 1 ) ، روى هذا عن حذيفة بن اليمان وسعد بن المسيب ، فلا يجوز الاعتكاف عندهم في غيرها . وقال آخرون : لا اعتكاف إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة ، لان الإشارة في الآية عندهم إلى ذلك الجنس من المساجد ، روى هذا عن علي بن أبي طالب وابن مسعود ، وهو قول عروة والحكم وحماد والزهري وأبى جعفر محمد بن علي ، وهو أحد قولي مالك . وقال آخرون : الاعتكاف في كل مسجد جائز ، يروى هذا القول عن سعيد بن جبير وأبى قلابة وغيرهم ، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وأصهابهما . وحجتهم حمل الآية على عمومها في كل مسجد له إمام ومؤذن ، وهو أحد قولي مالك ، وبه يقول ابن علية وداود بن علي والطبري وابن المنذر . وروى الدارقطني عن الضحاك عن حذيفة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح " . قال الدارقطني : والضحاك لم يسمع من حذيفة . التاسعة والعشرون - وأقل الاعتكاف عند مالك وأبي حنيفة يوم وليلة ، فإن قال : لله على اعتكاف ليلة لزمه اعتكاف ليلة ويوم . وكذلك إن نذر اعتكاف يوم لزمه يوم وليلة . وقال سحنون : من نذر اعتكاف ليلة فلا شئ على ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن نذر يوما فعليه يوم بغير ليلة ، وإن نذر ليلة فلا شئ عليه . كما قال سحنون . قال الشافعي : عليه ما نذر ، إن نذر ليلة فليلة ، وإن نذر يوما فيوما . قال الشافعي : أقله لحظة ولا حد لأكثره . وقال بعض

--> ( 1 ) إيلياء ( بكسر أوله واللام ) : اسم مدينة بيت المقدس .