القرطبي
334
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أصحاب أبي حنيفة : يصح الاعتكاف ساعة . وعلى هذا القول فليس من شرطه صوم ، وروى عن أحمد بن حنبل في أحد قوليه ، وهو قول داود بن علي وابن علية ، واختاره ابن المنذر وابن العربي . واحتجوا بأن اعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في رمضان ، ومحال أن يكون صوم رمضان لرمضان ولغيره . ولو نوى المعتكف في رمضان بصومه التطوع والفرض فسد صومه عند مالك وأصحابه . ومعلوم أن ليل المعتكف يلزمه فيه من اجتناب مباشرة النساء ما يلزمه في نهاره ، وأن ليله داخل في اعتكافه ، وأن الليل ليس بموضع صوم ، فكذلك نهاره ليس بمفتقر إلى الصوم ، وإن صام فحسن ، وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد في القول الآخر : لا يصح إلا بصوم . وروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم . وفى الموطأ عن القاسم بن محمد ونافع مولى عبد الله بن عمر : لا اعتكاف إلا بصيام ، لقول الله تعالى في كتابه : " وكلوا واشربوا " إلى قوله : " في المساجد " وقالا : فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام . قال يحيى قال مالك : وعلى ذلك الامر عندنا . واحتجوا بما رواه عبد الله بن بديل عن عمر بن دينار عن ابن عمر أن عمر جعل عليه [ أن يعتكف ( 1 ) ] في الجاهلية ليلة أو يوما [ عند الكعبة ( 1 ) ] فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اعتكف وصم " . أخرجه أبو داود . وقال الدارقطني : تفرد به ابن بديل عن عمرو وهو ضعيف . وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا اعتكاف إلا بصيام " . قال الدارقطني : تفرد به سويد بن عبد العزيز عن سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة . وقالوا : ليس من شرط الصوم عندنا أن يكون للاعتكاف ، بل يصح أن يكون الصوم له ولرمضان ولنذر ولغيره ، فإذا نذره الناذر فإنما ينصرف نذره إلى مقتضاه في أصل الشرع ، وهذا كمن نذر صلاة فإنما تلزمه ، ولم يكن عليه أن يتطهر لها خاصة بل يجزئه أن يؤديها بطهارة لغيرها . الموفية ثلاثين - وليس للمعتكف أن يخرج من معتكفه إلا لما لابد له منه ، لما روى الأئمة عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدنى إلى رأسه