القرطبي
319
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
صلى الله عليه وسلم قال : ( هما فجران فأما الذي كأنه ذنب السرحان ( 1 ) فإنه لا يحل شيئا ولا يحرمه وأما المستطيل الذي عارض الأفق ففيه تحل الصلاة ويحرم الطعام ) هذا مرسل . وقالت طائفة : ذلك بعد طلوع الفجر وتبينه في الطرق والبيوت ، روي ذلك عن عمر ( 2 ) وحذيفة وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش سليمان وغيرهم أن الامساك يجب بتبيين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال . وقال مسروق : لم يكن يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت . وروى النسائي عن عاصم عن زر قال قلنا لحذيفة : أي ساعة تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع . وروى الدارقطني عن طلق بن علي أن نبي الله قال : ( كلوا واشربوا ولا يغرنكم الساطع المصعد وكلوا واشربوا حتى يعرض لكم الأحمر ) . قال الدارقطني : [ قيس بن طلق ( 2 ) ] ليس بالقوي . وقال أبو داود : هذا مما تفرد به أهل اليمامة . قال الطبري : والذي قادهم إلى هذا أن الصوم إنما هو في النهار ، والنهار عندهم من طلوع الشمس ، وآخره غروبها ، وقد مضى ( 4 ) الخلاف في هذا بين اللغويين . وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : ( إنما هو سواد الليل وبياض النهار ) الفيصل في ذلك ، وقوله " أياما معدودات " [ البقرة : 184 ] . وروى الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له ) . تفرد به عبد الله بن عباد عن المفضل بن فضالة بهذا الاسناد ، وكلهم ثقات . وروي عن حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له ) . رفعه عبد الله بن أبي بكر وهو من الثقات الرفعاء ، وروي عن حفصة مرفوعا من قولها . ففي هذين الحديثين دليل على ما قاله الجمهور في الفجر ، ومنع من الصيام دون نية قبل الفجر ، خلافا لقول أبي حنيفة ، وهي : الثامنة - وذلك أن الصيام من جملة العبادات فلا يصح إلا بنية ، وقد وقتها الشارع قبل الفجر ، فكيف يقال : إن الأكل والشرب بعد الفجر جائز . وروى البخاري ومسلم عن
--> ( 1 ) السرحان ( بكسر فسكون ) : الذئب ، وقيل : الأسد ، وجمعه سراح وسراحين . ( 2 ) في بعض النسخ ( عثمان ) . ( 3 ) التكملة عن سنن الدارقطني يقتضيها السياق . ( 4 ) تراجع المسألة الثانية ص 192 من هذا الجزء .