القرطبي

320

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

سهل بن سعد قال : نزلت " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود " ولم ينزل " من الفجر " وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ، ولا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما ، فأنزل الله بعد " من الفجر " فعلموا أنه إنما يعني بذلك بياض النهار . وعن عدي بن حاتم قال قلت : يا رسول الله ، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود ، أهما الخيطان ؟ قال : ( إنك لعريض القفا ( 1 ) إن أبصرت الخيطين - ثم قال - لا بل هو سواد الليل وبياض النهار ) . أخرجه البخاري . وسمي الفجر خيطا لان ما يبدو من البياض يرى ممتدا كالخيط . قال الشاعر : الخيط الأبيض ضوء الصبح منفلق * والخيط الأسود جنح الليل مكتوم والخيط في كلامهم عبارة عن اللون . والفجر مصدر فجرت الماء أفجره فجرا إذا جرى وانبعث ، وأصله الشق ، فلذلك قيل للطالع من تباشير ضياء الشمس من مطلعها : فجرا لانبعاث ضوئه ، وهو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المنتشر ، تسميه العرب الخيط الأبيض ، كما بينا . قال أبو دواد الأيادي : فلما أضاءت لنا سدفة ( 2 ) * ولاح من الصبح خيط أنارا وقال آخر : قد كاد يبدو وبدت تباشره * وسدف الليل البهيم ساتره وقد تسميه أيضا الصديع ، ومنه قولهم : انصدع الفجر ، قال بشر بن أبي خازم أو عمرو ابن معديكرب : ترى السرحان مفترشا يديه * كأن بياض لبته صديع وشبهه الشماخ بمفرق الرأس فقال : إذا ما الليل كان الصبح فيه * أشق كمفرق الرأس الدهين

--> ( 1 ) القفا العريض يستدل به على قلة فطنة الرحل . ( 2 ) السدفة ( بضم السين وفتحها وسكون الدال ) : في لغة نجد ظلمة الليل ، وفى لغة غيرهم الضوء . وهو من الأضداد .