القرطبي
30
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى " قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل " رد من الله تعالى عليهم في قولهم إنهم آمنوا بما أنزل عليهم ، وتكذيب منه لهم وتوبيخ ، المعنى : فكيف قتلتم وقد نهيتم عن ذلك ! فالخطاب لمن حضر محمدا صلى الله عليه وسلم والمراد أسلافهم . وإنما توجه الخطاب لأبنائهم ، لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا ، كما قال : " ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ( 1 ) " فإذا تولوهم فهم بمنزلتهم . وقيل : لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم . وجاء " تقتلون " بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الاشكال بقوله : " من قبل " . وإذا لم يشكل فجائز أن يأتي الماضي بمعنى المستقبل ، والمستقبل بمعنى الماضي ، قال الحطيئة : شهد الحطيئة يوم يلقى ربه * أن الوليد أحق بالعذر شهد بمعنى يشهد . " إن كنتم مؤمنين " أي إن كنتم معتقدين الايمان فلم رضيتم بقتل الأنبياء ! وقيل : " إن " بمعنى ما ، وأصل " لم " لما ، حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر ، ولا ينبغي أن يوقف عليه ، لأنه إن وقف عليه بلا هاء كان لحنا ، وإن وقف عليه بالهاء زيد في السواد . قوله تعالى : ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ( 92 ) قوله تعالى : " ولقد جاءكم بالبينات " اللام لام القسم . والبينات قوله تعالى : " ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ( 2 ) " وهي العصا ، والسنون ، واليد ، والدم ، والطوفان ، والجراد والقمل ، والضفادع ، وفلق البحر . وقيل : البينات التوراة ، وما فيها من الدلالات . قوله تعالى : ثم اتخذتم العجل " توبيخ ، و " ثم " أبلغ من الواو في التقريع ، أي بعد النظر في الآيات ، أو الاتيان بها اتخذتم . وهذا يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك بعد مهلة من
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 254 ( 2 ) راجع ج 10 ص 335 .