القرطبي
285
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قلت : وهو مقتضى قوله تعالى : " فعدة من أيام أخر " فمتى أتى بيوم تام بدلا عما أفطره في قضاء رمضان فقد أتى بالواجب عليه ، ولا يجب عليه غير ذلك ، والله أعلم . الرابعة عشرة - والجمهور على أن من أفطر في رمضان لعلة فمات من علته تلك ، أو سافر فمات في سفره ذلك أنه لا شئ عليه . وقال طاوس وقتادة في المريض يموت قبل أن يصح : يطعم عنه . الخامسة عشرة - واختلفوا فيمن مات وعليه صوم من رمضان لم يقضه ، فقال مالك والشافعي والثوري : لا يصوم أحد عن أحد . وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور والليث وأبو عبيد وأهل الظاهر : يصام عنه ، إلا أنهم خصصوه بالنذر ، وروي مثله عن الشافعي . وقال أحمد وإسحاق في قضاء رمضان : يطعم عنه . احتج من قال بالصوم بما رواه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) . إلا أن هذا عام في الصوم ، يخصصه ما رواه مسلم أيضا عن ابن عباس قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر - وفي رواية صوم شهر - أفأصوم عنها ؟ قال : ( أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها ) قالت : نعم ، قال : ( فصومي عن أمك ) . احتج مالك ومن وافقه بقوله سبحانه : " ولا تزر وازرة وزر أخرى ( 1 ) " [ الانعام : 164 ] وقوله : " وأن ليس للانسان إلا ما سعى " ( 2 ) [ النجم : 39 ] وقوله : " ولا تكسب كل نفس إلا عليها " ( 1 ) [ الانعام : 164 ] وبما خرجه النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة ) . قلت : وهذا الحديث عام ، فيحتمل أن يكون المراد بقوله : ( لا يصوم أحد عن أحد ) صوم رمضان . فأما صوم النذر فيجوز ، بدليل حديث ابن عباس وغيره ، فقد جاء في صحيح مسلم أيضا من حديث بريدة نحو حديث ابن عباس ، وفي بعض طرقه : صوم شهرين أفأصوم عنها ؟ قال : ( صومي عنها ) قالت : إنها لم تحج قط أفأحج عنها ؟ قال :
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 156 ، 157 . ( 2 ) راجع ج 17 ص 114 .