القرطبي

25

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قال الجوهري : وهو شاذ وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار ، ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه ، وهذه الآية من ذلك . وقد يستعمل في الحق ، ومنه قول عمر رضي الله عنه في أسارى بدر : فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت . وقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث : والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك . أخرجهما مسلم . قوله تعالى : " ففريقا كذبتم " " ففريقا " منصوب ب‍ " كذبتم " ، وكذا " وفريقا تقتلون " فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد عليهما السلام ، وممن قتلوه يحيى وزكريا عليهما السلام ، على ما يأتي بيانه في " سبحان ( 1 ) " إن شاء الله تعالى . قوله تعالى : وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ( 88 ) قوله تعالى : " وقالوا " يعني اليهود " قلوبنا غلف " بسكون اللام جمع أغلف ، أي عليها أغطية . وهو مثل قول : " قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ( 2 ) " أي في أوعية . قال مجاهد : " غلف " عليها غشاوة . وقال عكرمة : عليها طابع . وحكى أهل اللغة غلفت السيف جعلت له غلافا ، فقلب أغلف ، أي مستور عن الفهم والتمييز . وقرأ ابن عباس والأعرج وابن محيصن " غلف " بضم اللام . قال ابن عباس : أي قلوبنا ممتلئة علما لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره . وقيل : هو جمع غلاف . مثل خمار وخمر ، أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علما كثيرا ! وقيل : المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم . فرد الله تعالى عليهم بقوله : " بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون " ثم بين أن السبب في نفورهم عن الايمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم ، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه . وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والابعاد . ويقال للذئب : لعين . وللرجل الطريد : لعين ، وقال الشماخ : ذعرت به القطا ونفيت عنه * مقام الذئب كالرجل اللعين

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 218 . ( 2 ) راجع ج 15 ص 339 .