القرطبي

26

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ووجه الكلام : مقام الذئب اللعين كالرجل ، فالمعنى أبعدهم الله من رحمته . وقيل : من توفيقه وهدايته . وقيل : من كل خير ، وهذا عام . " فقليلا " نعت لمصدر محذوف ، تقديره فإيمانا قليلا ما يؤمنون . وقال معمر : المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره ، ويكون " قليلا " منصوب بنزع حرف الصفة . و " ما " صلة ، أي فقليلا يؤمنون . وقال الواقدي : معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا ، كما تقول : ما أقل ما يفعل كذا ، أي لا يفعله البتة . وقال الكسائي : تقول العرب مررنا بأرض قل ما تنبت الكراث والبصل ، أي لا تنبت شيئا . قوله تعالى : ولما جاءهم كتب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ( 89 ) قوله تعالى : " ولما جاءهم " يعني اليهود . " كتاب " يعني القرآن . " من عند الله مصدق " نعت لكتاب ، ويجوز في غير القرآن نصبه على الحال ، وكذلك هو في مصحف أبى بالنصب فيما روي . " لما معهم " يعني التوراة والإنجيل يخبرهم بما فيهما . " وكانوا من قبل يستفتحون " أي يستنصرون . والاستفتاح الاستنصار . استفتحت : استنصرت . وفي الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يستفتح بصعاليك المهاجرين ، أي يستنصر بدعائهم وصلاتهم ( 1 ) . ومنه " فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ( 2 ) " . والنصر : فتح شئ مغلق ، فهو يرجع إلى قولهم فتحت الباب . وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري ( 3 ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إنما نصر ( 4 ) الله هذه الأمة بضعفائها بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم ) . وروى النسائي أيضا عن أبي الدرداء قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

--> ( 1 ) الذي في نهاية ابن الأثير واللسان مادة فتح : " أي يستنصر بهم " . ( 2 ) راجع ج 6 ص 217 . ( 3 ) يلاحظ أن راوي هذا الحديث هو سعد بن أبي وقاص ، ففي سنن النسائي ( ج 1 ص 65 طبع المطبعة الميمنية ) باب الاستبصار بالضعيف : أخبرنا محمد بن إدريس . . . عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه ظن . . . " الخ . ( 4 ) الذي في سنن النسائي : " إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها " .