القرطبي
254
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثاني : وهو قول مالك أن " من " يراد به الولي " وعفي " يسر ، لا على بابها في العفو ، والأخ يراد به القاتل ، و " شئ " هو الدية ، أي أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص على أخذ الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه ، فمرة تيسر ومرة لا تيسر . وغير مالك يقول : إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه . وقد روي عن مالك هذا القول ، ورجحه كثير من أصحابه . وقال أبو حنيفة : إن معنى " عفي " بذل ، والعفو في اللغة : البذل ، ولهذا قال الله تعالى : " خذ العفو ( 1 ) " [ الأعراف : 199 ] أي ما سهل . وقال أبو الأسود الدؤلي : * خذي العفو مني تستديمي مودتي * [ وقال ( 2 ) صلى الله عليه وسلم : ( أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله ) يعني شهد الله على عباده . فكأنه قال : من بذل له شئ من الدية فليقبل وليتبع بالمعروف . وقال قوم : وليؤد إليه القاتل بإحسان ، فندبه تعالى إلى أخذ المال إذا سهل ذلك من جهة القاتل ، وأخبر أنه تخفيف منه ورحمة ، كما قال ذلك عقب ذكر القصاص في سورة [ المائدة ] " فمن تصدق به فهو كفارة له ( 3 ) " [ المائدة : 45 ] فندب إلى رحمة العفو والصدقة ، وكذلك ندب فيما ذكر في هذه الآية إلى قبول الدية إذا بذلها الجاني بإعطاء الدية ، ثم أمر الولي باتباع وأمر الجاني بالأداء بالاحسان ] . وقد قال قوم : إن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة . ومعنى الآية : فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شئ من تلك الديات ، ويكون " عفي " بمعنى فضل . [ روى ( 2 ) سفيان بن حسين بن شوعة عن الشعبي قال : كان بين حيين من العرب قتال ، فقتل من هؤلاء وهؤلاء . وقال أحد الحيين : لا نرضى حتى يقتل بالمرأة الرجل وبالرجل المرأة ، فارتفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال عليه السلام : ( القتل سواء ) فاصطلحوا على الديات ، ففضل أحد الحيين على الاخر ، فهو قوله : " كتب " إلى قوله : " فمن عفي له من أخيه شئ " يعني فمن فضل له على أخيه فضل فليؤده بالمعروف ، فأخبر الشعبي عن السبب في نزول الآية ، وذكر سفيان العفو هنا الفضل ، وهو معنى يحتمله اللفظ ] .
--> ( 1 ) راجع ج 7 ص 344 . ( 2 ) ما بين المربعين في ح ، وساقط من سائر النسخ . ( 3 ) ج 6 ص 208 .