القرطبي
255
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وتأويل خامس ( 1 ) - وهو قول علي رضي الله عنه والحسن في الفضل بين دية الرجل والمرأة والحر والعبد ، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف ، و " عفي " في هذا الموضع أيضا بمعنى فضل . السادسة عشرة - هذه الآية حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب ، وحسن القضاء من المؤدي ، وهل ذلك على الوجوب أو الندب . فقراءة الرفع تدل على الوجوب ، لان المعنى فعليه اتباع بالمعروف . قال النحاس : " فمن عفي له " شرط والجواب ، " فاتباع " وهو رفع بالابتداء ، والتقدير فعليه اتباع بالمعروف . ويجوز في غير القرآن " فاتباعا " ، و " أداء " بجعلهما مصدرين . قال ابن عطية : وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة " فاتباعا " بالنصب . والرفع سبيل للواجبات ، كقوله تعالى : " فإمساك بمعروف ( 2 ) " [ البقرة : 229 ] . وأما المندوب إليه فيأتي منصوبا ، كقوله : " فضرب الرقاب ( 3 ) " [ محمد : 4 ] . السابع عشرة - قوله تعالى : " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " لان أهل التوراة كان لهم القتل ولم يكن لهم غير ذلك ، وأهل الإنجيل كان لهم العفو ولم يكن لهم قود ولا دية ، فجعل الله تعالى ذلك تخفيفا لهذه الأمة ، فمن شاء قتل ، ومن شاء أخذ الدية ، ومن شاء عفا . قوله تعالى : " فمن اعتدى بعد ذلك فله " شرط وجوابه ، أي قتل بعد أخذ الدية وسقوط [ الدم ( 4 ) ] قاتل وليه . " فله عذاب أليم " قال الحسن : كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلا فر إلى قومه فيجئ قومه فيصالحون بالدية فيقول ولي المقتول : إني أقبل الدية ، حتى يأمن القاتل ويخرج ، فيقتله ثم يرمي إليهم بالدية . واختلف العلماء فيمن تقل بعد أخذ الدية ، فقال جماعة من العلماء منهم مالك والشافعي : هو كمن قتل ابتداء ، إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه وعذابه في الآخرة . وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم : عذابه أن يقتل البتة ، ولا يمكن الحاكم الولي من العفو . وروى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا أعفى ( 5 ) من قتل بعد أخذ
--> ( 1 ) يلاحط أن المؤلف رحمه الله لم يذكر التأويل الثالث والرابع . ( 2 ) راجع ج 3 ص 127 . ( 3 ) راجع ج 16 ص 225 . ( 4 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 5 ) أعفى : من عفا الشئ إذا كثر وزاد ، وهذا دعاء عليه ، أي لا كثر ماله ولا استغنى .