القرطبي
253
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
آخرون : ليس لولي المقتول إلا القصاص ، ولا يأخذ الدية إلا إذا رضي القاتل ، رواه ابن القاسم عن مالك وهو المشهور عنه ، وبه قال الثوري والكوفيون . واحتجوا بحديث أنس في قصة الربيع ( 1 ) حين كسرت ثنية المرأة ، رواه الأئمة قالوا : فلما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصاص وقال : ( القصاص كتاب الله ، القصاص كتاب الله ) ولم يخبر المجني عليه بين القصاص والدية ثبت بذلك أن الذي يجب بكتاب الله وسنة رسوله في العمد هو القصاص ، والأول أصح ، لحديث أبي شريح المذكور . وروى الربيع عن الشافعي قال : أخبرني أبو حنيفة ابن سماك بن الفضل الشهابي قال : وحدثني ابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عام الفتح : ( من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود ) . فقال أبو حنيفة : فقلت لابن أبي ذئب : أتأخذ بهذا يا أبا الحارث فضرب صدري وصاح علي صياحا كثيرا ونال مني وقال : أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : تأخذ به ! نعم آخذ به ، وذلك الفرض على وعلى من سمعه ، إن الله عز وجل ثناؤه اختار محمدا صلى الله عليه وسلم من الناس فهداهم به وعلى يديه ، واختار لهم ما اختاره له وعلى لسانه ، فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخرين ، لا مخرج لمسلم من ذلك ، قال : وما سكت عني حتى تمنيت أن يسكت . الخامسة عشرة - قوله تعالى : " فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان " اختلف العلماء في تأويل " من " و " عفي " على تأويلات خمس : أحدها - أن " من " يراد بها القاتل ، و " عفي " تتضمن عافيا هو ولي الدم ، والأخ هو المقتول ، و " شئ " هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ الدية ، هذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد وجماعة من العلماء . والعفو في هذا القول على بابه الذي هو الترك . والمعنى : أن القاتل إذا عفا عنه ولي المقتول عن دم مقتول وأسقط القصاص فإنه يأخذ الدية ويتبع بالمعروف ، ويؤدي إليه القاتل بإحسان .
--> ( 1 ) الربيع ( بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد المثناة المكسورة بعدها عين مهملة ) وهي عمة أنس بن مالك .